الصفحة 18 من 25

قال العلامة محمد السفاريني رحمه الله تعالى في شرح منظومة الآداب للإمام شمس الدين المرداوي:"وأما هجران أهل البدع والضلال فقد أشار إليه في نظمه فقال: مطلب: في هجر من يدعو لأمر مضل: وهجران من يدعو لأمر مضل أو مفسق احتمه بغير تردد (وهجران من) أي إنسان من أهل العلم أو غيرهم (يدعو) الناس جهرة أو خفية (ل) إجابة (أمر) من الدين من الأقوال أو الأفعال أو الاعتقادات الفاسدة (مضل) تائه حائد عن النهج القويم، والصراط المستقيم مما كان عليه النبي الكر يم، والرسول العظيم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، أو الصحابة أهل التقوى والإصابة، الذين هم خير عصابة، أو التابعين لهم بإحسان، أو القرن الثالث الذي نطق بفضله سيد الأكوان، في قوله (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) فهؤلاء القرون الثلاثة أهل السنة والوراثة، لا ما نهجت الجهمية وأضرابهم من الفرق الضالة والطوائف المائلة الزالة، فهؤلاء حتم هجرانهم، ولا ترع شأنهم، قال الإمام أحمد رضي الله عنه: ويجب هجر من كفر أو فسق ببدعة أو دعا إلى بدعة مضلة أو مفسقة، وهو معنى قول الناظم (أو) يدعو لأمر (مفسق) بأن كانت بدعته مفسقة لا مكفرة. وأما إذا كانت مكفرة فبالأولى وقد شمله قوله لأمر مضل، لأن الضلال يشمل الكفر والفسق، وعطفه من عطف (العام على الخاص) ونكتة ذلك أن الداعي إلى البدعة المفسقة ربما يتوهم عدم وجوب هجره كما لو كان فاسقا فإنه لا يجب هجره بل يسن، لكن لما كان داعية إلى البدعة المفسقة (احتمه) أي الهجران بغير (تردد) منك ولا شك لارتكابه البدع، وخلال السوء التي عليها انطبع. فيجب على كل مسلم سليم الفؤاد، من شعب البدع والعناد، أن يصرم أهل البدع والإلحاد، من غير شك ولا ترداد. فهجران الداعي إلى البدع واجب، وقال: قال ابن مفلح في آدابه: وقيل يجب هجره مطلقا وهو ظاهر كلام الإمام أحمد رضي الله عنه، وقطع ابن عقيل به في معتقده قال ليكون ذلك كسرا له واستصلاحا ... ، إلى أن قال: والحاصل أنه يجب هجر من كفر أو فسق ببدعة أو دعا إلى بدعة مضلة أو مفسقة وهم أهل الأهواء والبدع المخالفون فيما لا يسوغ فيه الخلاف، كالقائلين بخلق القرآن، ونفي القدر، ونفي رؤية الباري في الجنة والمشبهة والمجسمة، والمرجئة الذين يعتقدون أن الإيمان قول بلا عمل، والجهمية والإباضية والحرورية والواقفية، واللفظية، والرافضة، والخوارج، وأمثالهم لأنهم لا يخلون من كفر أو فسق. قاله في المستوعب. [[1] ]"

وقال أيضًا: وقال القاضي أبو حسين في التمام: لا تختلف الرواية في وجوب هجر أهل البدع وفساق الملة. [[2] ]

وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [سورة النساء، الآية:140] . قال:"فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر، قال الله عز وجل: {إنَّكُمْ إذًا مِّثْلُهُمْ} فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية .. ، وإذا ثبت تجنب أصحاب المعاصي كما بينا فتجنب أهل البدع والأهواء أولى". [[3] ]

و قال الشاطبي:"إن فرقة النجاة، وهم أهل السنة، مأمورون بعداوة أهل البدع، والتشريد بهم، و التنكيل بمن انحاش إلى جهتهم، ونحن مأمورون بمعاداتهم، وهم مأمورون بموالاتنا و الرجوع إلى الجماعة". [[4] ]

و قال الإمام البغوي رحمه الله:"وقد مضت الصحابة والتابعون، وأتباعهم، وعلماء السنن على هذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدع ومهاجرتهم". [[5] ]

(1) غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب (1/ 268 - 269)

(2) غذاء الألباب (1/ 257)

(3) القرطبي (5/ 418)

(4) الإعتصام (1/ 120)

(5) شرح السنة (1/ 227)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت