أما إن كان ظاهر أمره الإكراه، ولكن قلبه منشرح لما يسمعه من الكفر، راكن إليه، مطمئن به؛ فهذا - وإن عذرناه بحسب ما يظهر لنا من حاله - إلا أنه منافق كافر في حقيقة أمره، وهو في الدرك الأسفل من النار إن مات على حاله ولم يتب.
-الرابعة؛ أن يكون جالسا مع القوم السابين المرتدين، ولا يظهر منه ما يدل على إقراره لقولهم أو إنكاره عليهم، وليس هناك ما يمنعه من الانصراف عنهم ومفارقة مجلسهم:
فهذا إن لم يقع في الكفر، فلا يبعد عنه، فإن بقاءه بينهم وسماعه لكفرهم مع عدم إنكاره عليهم؛ يدنو من كونه إقرارا لهم، ولكن لا يقطع بذلك لبقائه في دائرة الاحتمالات.
أما وقوعه في الإثم؛ فهذا لا شك فيه.
قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله: (قوله {إنكم إذا مثلهم} ، يعني؛ نزل عليكم أنكم إن جالستم من يكفر بآيات الله ويستهزئ بها، وأنت تسمعون فأنتم مثله، يعني؛ فأنتم إن لم تقوموا عنهم في تلك الحال مثلهم في فعلهم، لأنكم قد عصيتم الله بجلوسكم معهم، وأنتم تسمعون آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها، كما عصوه باستهزائهم بآيات الله، فقد أتيتم من معصية الله نحو الذي أتوه منها، فأنتم إذا مثلهم في ركوبكم معصية الله وإتيانكم ما نهاكم الله عنه، وفي هذه الآية الدلالة الواضحة على النهي عن مجالسة أهل الباطل من كل نوع من المبتدعة والفسقة عند خوضهم في باطلهم) [تفسير ابن جرير: ج4/ص330] .
وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: (أي إنكم إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم ورضيتم بالجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله ويستهزأ وينتقص بها، وأقررتموهم على ذلك، فقد شاركتموهم في الذي هم فيه، فلهذا قال تعالى: {إنكم إذا مثلهم} في المأثم، كما جاء في الحديث:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليه الخمر") [تفسير ابن كثير: ج1/ص537] .
وقال القرطبي: (قال الله عز وجل: {إنكم إذا مثلهم} ، فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم، يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم؛ فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية) [تفسير القرطبي: ج5/ص268] .
فالأمر في غاية الخطورة.