الفصل الأول الردُّ عندَ التنازعِ يكونُ للكتابِ والسنة
عند حصول التنازع في حكم ما فالواجب على المسلم ردُّ فصلِ النزاعِ إلى كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن من لازم الإيمان بالله سبحانه وتعالى إرجاع فض النزاع للكتاب والسنة، وإلا فما فائدة الإيمان بالله حين تحال المسائل المتنازع عليها إلى غير كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك التنازع في حكم الحكومة اليمنية -هل هي مسلمة أم كافرة- الذي يرده البعض إلى الهوى الذي يستصعب كفرها أو إلى أقوال أدعياء العلم مع علم الراد إليهم أنهم عبيد ريالات يعشقون القات والمناصب ولو على حساب دين الله تعالى ...
بل لا بد أن يتجرد المتنازعون من بواعث الهوى والشهوة النفعية، وأن يقصدوا وجه الله ومرضاته وأن يعلم الله منهم صدق ردهم إلى الوحيين حتى يوفقهم الله سبحانه وتعالى لإصابة الحق في الأمر المتنازع فيه ...
قال الإمام الطبري -شيخ المفسرين- عند قوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} (( يعني بذلك جل ثناؤه: فإن اختلفتم أيها المؤمنون في شيء من أمر دينكم: أنتم فيما بينكم، أو أنتم وولاة أمركم، فاشتجرتم فيه"فردوه إلى الله"، يعني بذلك: فارتادوا معرفة حكم ذلك الذي اشتجرتم أنتم بينكم أو أنتم وأولو أمركم فيه من عند الله، يعني بذلك: من كتاب الله، فاتبعوا ما وجدتم، وأما قوله:"والرسول"، فإنه يقول: فإن لم تجدوا إلى علم ذلك في كتاب الله سبيلا فارتادوا معرفة ذلك أيضًا من عند الرسول إن كان حيًا، وإن كان ميتًا فمن سنته"إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر"، يقول: افعلوا ذلك إن كنتم تصدقون بالله"واليوم الآخر"، يعني: بالمعاد الذي فيه الثواب والعقاب، فإنكم إن فعلتم ما أمرتم به من ذلك فلكم من الله الجزيل من الثواب، وإن لم تفعلوا ذلك فلكم الأليم من العقاب ) ) [1]
وقال الإمام ابن القيم-رحمه الله تعالى-: (إن قوله {فإن تنازعتم في شيء} نكرة في سياق الشرط تعم كل ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين دقَّه وجلَّه، جليه وخفيه، ولو لم يكن في كتاب الله ورسوله بيان حكم ما تنازعوا فيه، ولم يكن كافيا لم يأمر بالرد إليه، إذ من الممتنع أن يأمر تعالى بالرد عند النزاع إلى من لا يوجد عنده فصل النزاع ومنها أنه جعل هذا الرد من موجبات الإيمان ولوازمه، فإن انتفى هذا الرد انتفى الإيمان، ضرورة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه، ولا سيما التلازم بين هذين الأمرين فإنه من الطرفين، وكل منهما ينتفي بانتفاء الآخر، ثم أخبرهم أن هذا الرد خير لهم، وأن عاقبته أحسن عاقبة) (1) .
(1) تفسير الطبري (8/ 504)