الصفحة 3 من 17

لماذا وكيف؟

إن التنمية المستدامة تتمثل في عمارة الأرض وإصلاحها، بما لا يخل بالتوازن وعدم استنفاذ العناصر الضرورية للحفاظ على سلامة البيئة وحمايتها، والحد من تعريض الأرض وما عليها من مختلف أنواع التلوث، وتأكيد عدالة توزيع الموارد وعوائد التنمية. والحد من أنماط الإنتاج والاستهلاك غير الرشيدة، وتوجيهها نحو الاستدامة، إذا المعادلة بسيطة:"إدارة التنمية على مستوى العالم بما يحقق التوازن البيئي"لكن المعضلة الكبرى تبقى في التطبيق، فالعالم يمشي، والفقراء يزدادون فقرا، والحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى عقد عالمي جديد قائم على العدالة، والتنمية المستدامة القائمة على الإدارة العادلة لموارد العالم والتوزيع العادل للثروات، وضمان الحقوق الإنسانية للشعوب، هي الطريق الأقصر لتحقيق السلم والأمن العالمي ومحاربة الفقر.

لهذا بدأت الحكومات، إلى جانب المؤسسات، بالعمل على جعل الأفراد أكثر وعيا واهتماما بالبيئة وبالمشاكل المتعلقة بها، ليمتلكوا المعرفة والمهارة والسبل والحوافز والالتزام للعمل كأفراد، أو مجموعات، من أجل إيجاد الحلول للمشاكل الآنية، والحيلولة دون نشوء مشاكل جديدة. ومن خلال ما سبق يمكن تعريف مفهوم التنمية المستدامة على أنها الإدارة المثلى للموارد الطبيعية، وذلك بالحصول على الحد الأقصى من منافع التنمية الاقتصادية، بشرط المحافظة على خدمات هذه الموارد ونوعيتها، وعدم استنزافها، من أجل الحفاظ على حق الأجيال القادمة فيها. حيث أن قياس أداء أي نظام يرتكز على مدى استدامته، وهذه الأخيرة مرتبطة بمدى إستعابه (أي النظام) لمتطلبات كل وحداته المعيشية ودون المساس بقدرة الأجيال القادمة على توفير احتياجاتها من نفس قاعدة الموارد الطبيعية، وهذا لا يتحقق إلا بالقضاء على المشاكل الخطيرة التي تهدد اقتصاديات الدول وأمن الشعوب الاجتماعي، ومن أهم هذه المشاكل نجد مشكل البطالة الذي وما زال محور اهتمام الخبراء والباحثين في المجال الاقتصاد، ولعل محاربة ظاهرة البطالة سيساعد الحكومات والمؤسسات في تحقيق أهداف التنمية المستدامة وإرساء دعائمها ليس فقط في المجال الاقتصادي، بل وحتى في المجال الاجتماعي.

وإسقاطا لهذا المفهوم على حالة الجزائر نجد بأنها، كباقي الدول، تسعى إلى تحقيق مفهوم التنمية المستدامة من أجل محاربة الفقر وحماية البيئة، وذلك باتخاذ التدابير والإجراءات التي من شأنها أن تساعد في التقليل من حدة البطالة، وذلك بإطلاق مشاريع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتقديم قروض بدون فوائد، وتأسيس الوكالة الوطنية للتشغيل، لكن لم يحن الوقت بعد للقول بأن مشكلة البطالة قد تم السيطرة عليها بالجزائر، وذلك لعدة أسباب اقتصادية وأخرى عالمية.

وعلى مستوى الاقتصاد الجزئي نجد بأن مفهوم التنمية المستدامة يتركز على خلفية تحقيق المؤسسة لأهدافها، وغايتها من تلبية حاجات ورغبات المستهلكين وتحقيق الأرباح والنمو في السوق، باستهلاكها القدر العقلاني من الموارد الطبيعية والبشرية والمادية، دون الإضرار بحق الأجيال القادمة في الاستفادة من هذه الثروات. وهذا المفهوم يظهر مدى التزام المؤسسات بتعظيم الآثار الإيجابية ممارساتها، والتقليل من آثارها السلبية على البيئة، خصوص مع تطور المفاهيم الإدارية وظهور مفهوم الإدارة البيئية الصناعية التي تتمثل في تبني المنظمات لطرق متطورة وحديثة في تسيير مخلفات الأنشطة التنموية، كتقنية الاستغلال الأمثل للموارد والإنتاج غير ملوث للبيئة، حيث تهدف هذه التقنية إلى الإقلال قدر الإمكان من الإفرازات والعوادم والنفايات التي تخلفها العمليات الإنتاجية قصد تحقيق مفهوم التنمية المستدامة، وهذا ما يسمى بصناعة التدوير. ومن جهة أخرى برز الدور الكبير الذي تلعبه المؤسسات -إلى جانب الحكومات- في القضاء على مشكلة البطالة، حيث تستخدم المؤسسات الصغيرة أو المتوسطة الصناعات الصغيرة ذات فنونًا إنتاجية بسيطة نسبيًا تتميّز بارتفاع كثافة العمل، وهي تعمل على توفير فرص عمل تمتص جزءًا من البطالة وتعمل في ذات الوقت على الحد من الطلب المتزايد على الوظائف الحكومية؛ مما يساعد الدول التي تعانى من وفرة العمل وندرة رأس المال على مواجهة مشكلة البطالة دون تكبّد تكاليف رأسمالية عالية، وتوفر هذه المشروعات فرصًا عديدة للعمل لبعض الفئات، وبصفة خاصة الإناث والشباب والنازحين من المناطق الريفية غير المؤهّلين بعد للانضمام إلى المشروعات الكبيرة. وقد فطنت الدول المتقدمة إلى أهمية الصناعات الصغيرة فقد أصبحت الصناعات الصغيرة اليابانية تستوعب حوالي 84 % من العمالة اليابانية الصناعية وتساهم بحوالي 52% من إجمالي قيمة الإنتاج الصناعي الياباني. [1] ومن خلال ما سبق يمكن طرح التساؤل التالي:

(1) صابر أحمد عبد الباقي، المشروعات الصغيرة والمتوسطة وأثرها في القضاء على البطالة، (ورقة بحثية، www.mustasharoon-2.blogspot.com)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت