ظلت التنمية المستدامة خلال عقد السبعينيات غامضة ومقتصرة على الندوات العلمية المغلقة، التي كانت تحاول أن تجد تعريفا مقبولا لهذا المفهوم. كان الجميع يتساءل إن كان بإمكان تحقيق تنمية منسجمة مع متطلبات البيئة، وإنّ كان بإمكان التخطيط لتنمية اقتصادية غير ضارة بالبيئة، ولا تضع في الوقت نفسه قيودا غير مقبولة على طموحات الشعوب المشروعة لتحقيق التقدم والرقي والنمو الاجتماعي والاقتصادي. وإن كان بالإمكان أن تكون التنمية مستمرة ومتواصلة. [2]
خلال المرحلة الأولى من بروز مفهوم التنمية المستدامة، كان الاعتقاد السائد هو أن هذه الأخيرة ليست سوى إطار عام للاسترشاد من أجل خلق توازن بين النشاط الاقتصادي والتنموي والنظام البيئي، لكن مع بداية الثمانينات أخذ البعض يطرح التنمية المستدامة كنموذج تنموي بديل، وحضي المفهوم باهتمام علمي وفكري متجدد، حيث برز هذا الاهتمام في تقرير الاتحاد العالمي للمحافظة على الموارد الطبيعية الذي صدر عام 1987، والذي خصص بأكمله للتنمية المستدامة وفيه تم وضع تعريف محدد لها، وتم أيضًا توضيح أهم مقوماتها وشروطها.
وفي سنة 1987 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا يدعى:"المنظور البيئي في سنة 2000 وما بعدها"، هذا القرار يهدف إلى تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة بيئيا، بوصف ذلك هدفا عاما منشود للمجتمع الدولي. وفي هذا التقرير وللمرة الأولى وضع تعريف للتنمية المستدامة. كذلك وفي التقرير النهائي للجنة، قامت بإصدار كتاب بعنوان"مستقبلنا المشترك"الذي وجد كأكبر سند لمفهوم التنمية المستدامة. إن هذا الكتاب هو الأول من نوعه الذي يعلن أن التنمية المستدامة هي قضية أخلاقية وإنسانية، بقدر ما هي قضية تنموية وبيئية، وهي قضية مصيرية ومستقبلية تتطلب اهتمام الحكومات والمؤسسات وكل هيئات المجتمع.
لقد وضح هذا الكتاب أن كل الأنماط التنموية السائدة في شمال الكرة الأرضية وجنوبها، لا تحقق حاليا شرط الاستدامة، حتى لو كانت هذه الأنماط التنموية تبدو ناجحة بمقاييس الحاضر، فإنها تبدو عاجزة وضارة بمقاييس المستقبل لأنها تتم على حساب استهلاك الرصيد الطبيعي للأجيال القادمة و استنزافه. لذلك تم التوجه بشكل خاص إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بدعوة إلى عقد مؤتمر دولي يجمع المجتمع الدولي للنظر في قضايا البيئة والتنمية. [3]
وفي سنة 1992 تم عقد المؤتمر في مدينة ريو ديجانيرو بالبرازيل، الذي شكل أكبر حشد عالمي حول البيئة والتنمية تحت إشراف الأمم المحتدة، وعرّف هذا المؤتمر باسم"قمة الأرض"دلالة على أهميته العالمية. [4] وكان هدف المؤتمر هو وضع أسس بيئية عالمية للتعاون بين الدول المتخلفة والدول المتقدمة، من منطلق المصالح المشتركة لحماية مستقبل الأرض، وقد نقلت قمة الأرض الوعي البيئي العالمي من مرحلة التركيز على الظواهر البيئية إلى مرحلة البحث عن العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المسئولة عن أسباب نشوء الأزمات البيئية واستمرار التلوث والاستنزاف المتزايد الذي تتعرض له البيئة. وتمثلت النتائج المترتبة عن مؤتمر قمة الأرض في الاتفاقيات التالية:
-اتفاقية متعلقة بالتغير المناخي والتنوع البيولوجي لمواجهة آثار التلوث.
-وثيقة تتمثل في تقديم توجيهات من أجل التسيير المستدام للغابات في العالم.
-الأجندة 21، وهي خطة عمل من شأنها أن تجيب بصفة متتالية للأهداف فيما يخص البيئة والتنمية في القرن الحادي والعشرون.
-إعلان ريو ديجانيرو حول البيئة والتنمية الذي يحتوي مجموعة مبادئ محدّدة لحقوق وواجبات الدول في هذا المجال. [5]
وفيما يلي جدول يبين تطور مفهوم التنمية المستدامة عبر السنوات:
الجدول رقم (01) : معالم تطور مفهوم التنمية المستدامة
السنوات ... أهم الأحداث
1968 ... - تأسيس نادي روما الذي يتضمن شخصيات لها مناصب هامة في بلدانها، ويسعى نادي روما
(1) محمد صالح الشيخ، الآثار الاقتصادية والمالية لتلوث البيئة ووسائل الحماية منها، (مكتبة ومطبعة الإشعاع الفنية، مصر، 2002) ، ص 113.
(2) سليمان الرياشي، مرجع سابق، ص 238.
(3) المرجع نفسه، ص 239.
(4) عدنان السيد حسين، نظرية العلاقات الدولية، (دار الأمواج، لبنان 2003) ، ص 197.