بقلم؛ الشيخ أبي المنذر سامي الساعدي
خرج من بيته متسللًا كنسمات الفجر الرطيبة، يشده نحو المشرق شوق ملتهب، وتطلع متلهف، تاركًا وراءه أسرة حانية، وحياة رتيبة، ومستقبلًا فسيحًا، فسنوات العمر أمامه ممتدة إن أراد أن يملأ أيامها وساعاتها باللذائذ ..
كان صغير السن، إذ لم يكن قد ناهز العشرين، لكنه كان كبير الاهتمامات، رفيع التطلعات، بعيد الأهداف، فاختار لنفسه تلك النقلة الهائلة التي لم تكن مجرد نقلة من مكان إلى مكان، إنها الهجرة بكل ما تحويه من قيم، فكانت نقلة في نمط الحياة اتسعت دائرتها حتى وصلت إلى الاسم، فمن"طلال"إلى"المقدام"..
ألقى عصاه في أفغانستان، فاحتضنته جبال خوست، واحتفت به احتفاء الأم بوليدها، وكأنها كانت معه على ميعاد، فامتطى صخورها، واعتلى قممها ليصب حمم قذائفه على رؤوس الملحدين، كأنها قطع من فؤاده الغاضب على أعداء الله، أو فلذات من كبده الذائب حزنًا على مآسي أمته، منَّ الله عليه فشارك في فتح مدينة خوست مقاتلًا مرابطًا، ثم انتقل إلى ساح الترقي في مراتب الإعداد والتدريب، وفي معسكر"سلمان الفارسي"توج المقدام هامته بعقد البيعة على مقارعة رؤوس الكفر والإلحاد من أذناب اللجان الثورية الذين ملأوا أرض ليبيا فسادًا، وزرعوا قلوب أهلها المساكين رعبًا، لم تكن له عند البيعة كبوة، ولم يحبس لسانه عنها تردد أو إحجام، بل كان في بذلها"مقدامًا"..
داعبت جفنيه رؤيا صدق أولها له العارفون بنوال مناه، والوصول إلى مبتغاه، فطار إلى"جرديز"لعل تأويل رؤياه يصدق على قمم جبالها المرتفعة ارتفاع تطلعاته، أو لعل أمنيته تتحقق فوق ثلوجها البيضاء كبياض سريرته - ولا نزكي على الله أحدًا - ..