الصفحة 18 من 46

بقلم الشيخ

أبي المنذر الساعدي

بعث الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالحنيفية السمحة، ولم يكلف عباده بما لا طاقة لهم به، وإنما أنزل في كتابه: {ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها} ، وقوله عز وجل: {لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها} ، ولقننا الله أن ندعوا: {ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} ، وفي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا: (قال الله؛ قد فعلت) .

وبهذه الأدلة تقرر في أصول الشريعة أنه لا تكليف إلا بمقدور.

والجهاد في سبيل الله تعالى باعتباره فرضًا لا يخرج عن هذه القاعدة، فلم تستثقل كثيرًا من النفوس هذه الفريضة ويرونها من باب تكليف ما لا يطاق؟! حتى آل الأمر عند أناس إلى إسقاطها والتنصل منها! والحقيقة؛ أن هذا الإستثقال والشعور بالحرج هو عقوبة ربانية ونتيجة طبيعية للتفريط في أسباب وخصال جعلها الله عز وجل سفينة على أداء هذه العبادة العظيمة.

وهذه الخصال قد يكون بعضها موهوبة من عند الله بالدرجة الأولى وقد يكون الآخر مكتسبًا، وإن كان كل من عند الله، ولكن الوهبي منها يمكن تعاهده وتنميته حتى يصير سجية وخُلقًا، فخصلة الشجاعة مثلًا - وهي خصلة مهمة للمجاهد - هبة من الله تعالى، ولكنها يمكن أن تكتسب.

"ففي معناة الجهاد في سبيل الله والتعرض للموت في كل جولة ما يعود النفس الإستهانة بهذا الخطر والخوف الذي يكلف الناس الكثير من نفوسهم وأخلافهم وموازينهم وقيمهم ليتقوه وهو هين عند من يعتاد ملاقاته" [1] .

ومن رحمة الله وتبارك وتعالى بعباده أنه إذا أمرهم بأمر فيه نوع مشقة فإنه يشرع لهم ما يهون عليهم معالجته ويدلهم على المداخل التي تذلل صعوبته وتذيقهم حلاوته، فسبحان من هذه شريعته، وكلما زاد حظ المرء من هذه الخصال صار لحوقه بركب المجاهدين أيسر وثباته عليه أقرب.

(1) في ظلال القرآن: 3286/ 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت