وقد بايعه العامة في سنة إحدى ومائتين على القيام بالأمر والنهي حين كثرت الشطار والدعار في غيبة المأمون عن بغداد - كما تقدم ذلك - وبه تعرف سويقة نصر ببغداد.
وكان أحمد بن نصر هذا من أهل العلم والديانة والعمل الصالح والاجتهاد في الخير، وكان من أئمة السنة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وكان ممن يدعو إلى القول بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق.
وكان الواثق من اشد الناس في القول بخلق القرآن، يدعو إليه ليلا ونهارا، سرا وجهارا، اعتمادا على ما كان عليه أبوه قبله وعمه المأمون، من غير دليل ولا برهان ولا حجة ولا بيان ولا سنة ولا قرآن.
فقام أحمد بن نصر هذا يدعو إلى الله وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، في أشياء كثيرة دعا الناس إليها، فاجتمع عليه جماعة من أهل بغداد، والتف عليه الألوف أعداد، وانتصب للدعوة إلى أحمد بن نصر هذا، رجلان وهما أبو هارون السراج يدعو أهل الجانب الشرقي، وآخر يقال له طالب يدعو أهل الجانب الغربي، فاجتمع عليه من الخلائق ألوف كثيرة وجماعات غزيرة.
فلما كان شهر شعبان من هذه السنة انتظمت البيعة لأحمد بن نصر الخزاعي في السر على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والخروج على السلطان لبدعته ودعوته إلى القول بخلق القرآن، ولما هو عليه وأمراؤه وحاشيته من المعاصي والفواحش وغيرها، فتواعدوا على أنهم في الليلة الثالثة من شعبان - وهي ليلة الجمعة - يضرب طبل في الليل، فيجتمع الذين بايعوا في مكان اتفقوا عليه، وأنفق طالب وأبو هارون في أصحابه دينارا دينارا، وكان من جملة من أعطوه رجلان من بني اشرس يتعاطيان الشراب.
فلما كانت ليلة الخميس شربا في قوم من أصحابهم، واعتقدا ان تلك الليلة هي ليلة الوعد، وكان ذلك قبله بليلة، فقاما يضربان على طبل في الليل ليجتمع إليهما الناس، فلم يجئ أحد، وانخرم النظام، وسمع الحرس في الليل، فاعلموا نائب السلطنة - وهو محمد بن غبراهيم بن مصعب - وكان نائبا لأخيه إسحاق بن غبراهيم، لغيبته عن بغداد، فاصبح الناس متخبطين، واجتهد نائب السلطنة على احضار ذينك الرجلين، فاحضرا فعاقبهما فاقرا على أحمد بن نصر، فطلبه وأخذ خادما له، فاستقره فاقره بما أقر به الرجلان.