الصفحة 22 من 30

الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) فقالوا: يا رسول الله جئناك لنتفقّه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان؟، قال:"كان الله ولم يكن شيئًا غيره، وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كلّ شيء، ثمّ خلق السموات والأرض"، وللحديث الذي رواه ابن ماجة وابن حبّان أنّ أبا هريرة قال: يا رسول الله إنّي إذا رأيتك طابت نفسي وقرّت عيني فأنبئني عن كلّ شيء قال:"إنّ الله تعالى خلق كلّ شيء من الماء"، وللحديث الذي رواه السّدي الكبير عن ابن عباس موقوفًا:"ما خلق الله تعالى شيئًا ممّا خلق قبل الماء".

الشاهد أنّ هذا الحديث لا سند له إلاّ سند مركب محدث، لا وجود له في كتب أهل العلم المسندة، لا صحيح ولا ضعيف.

ولم يقل بما فيه أحد من أهل العلم سلفيّهم وأشعريهم، بل ومن فيهم شيء من التجّهم والاعتزال.

ما قال به إلاّ أهل وحدة الوجود ومن قلّدهم من جهّال المتصوفة أو نقل عنهم، وهو دليل عندهم على أنّ كلّ ما في الوجود واحد في أصله، ومن هؤلاء ابن عربي محي الدين صاحب فصوص الحكم، والفتوحات المكية، والإدريسية، فقد تمسّك بهذا الحديث الموضوع وخلطه بموضوعات أخرى مثل حديث (كنت نبيًا وآدم بين الماء والطين) الذي سبقت الإشارة إليه، واستدل به على مذهبه، فزعم أنّ حديث (كنت نبيًا وآدم بين الطين والماء) إشارة إلى أنّ نبوته كانت موجودة في أول خلق الزمان في عالم الغيب دون عالم الشهادة، فلما انتهى الزمان بالاسم الباطن إلى وجود جسمه، وارتباط الروح به، انتقل حكم الزمان في جريانه إلى الاسم الظاهر، فظهر بذاته جسمًا وروحًا [1] ، ولو اكتفى بهذا لصحّ التماس العذر له في أنّ مراده قولًا قريبًا من قول السبكي كما زعم المناوي، رحمه الله، ولكنّه صرح عن مراده بقوله في الفتوحات:"فكان الحكم له باطنًا أو في كلّ ما ظهر من الشرائع على أيدي الأنبياء والرسل ثمّ صار الحكم له ظاهرًا فنسخ كلّ شرع أبرزه الاسم الباطن بحكم الاسم الظاهر لبيان اختلاف حكم الاسمين وإن كان الشرع واحدًا، وآدم بين الروح والجسد"ثمّ زاد في التصريح فقال:"فكلّ بني آدم من لدن آدم إلى آخر نبي، ما منهم أحد إلاّ يأخذ من مشكاة خاتم النبيين وإن تأخر وجود طينته فإنّه بحقيقته موجود، وهو قوله كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد". ثمّ ضرب مثلًا قائلًا:"وبهذا العلم سمّي شيث لأنّه معناه"

(1) انظر فيض القدير 5/ 35، وهو في الفتوحات المكية ص 180.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت