الصفحة 28 من 30

وهذا كلام لم يصح به نقل ولا يقرّه عقل، ولا ينتصرله دين، ولا تنهض به دنيا، فأوّليته (- صلى الله عليه وسلم -) لخلق الله لم تثبت، ولو ثبتت ما كان لها أثر في أفضليته (- صلى الله عليه وسلم -) ومكانه عند الله، وحينما مدحه الله تعالى في كتابه مدحه بمناط الفضل الحقيقي فقال: (وإنّك لعلى خلق عظيم) .

والثابت بالتواتر أنّ نبينا هو محمد ابن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي المولود من أبويه عبد المطلب وآمنة بنت وهب بمكة في عام الفيل، ولد كما يولد البشر، ونشأ كما ينشأ البشر، وبعث كما بعث من قبله أنبياء ومرسلون، فلم يكن بدعًا من الرسل وعاش ما عاش ثمّ اختاره الله إليه (إنّك ميّت وإنّهم ميّتون) ، وسيسأل يوم القيامة كما يسأل المرسلون: (يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنّك علاّم الغيوب) .

ولقد أكّد القرآن بشرية محمد (- صلى الله عليه وسلم -) في غير موضع، وأمره الله أن يبلّغ ذلك للناس في أكثر من سورة: (قل إنّما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ) [1] ، (قل سبحان ربي هل كنت إلاّ بشرًا رسولا) [2] ، فهو بشر مثل سائر الناس لا يمتاز إلاّ بالوحي والرسالة.

وأكّد النبي (- صلى الله عليه وسلم -) معنى بشريته وعبوديته لله، وحذّر من اتباع سنن من قبلنا من أهل الأديان في التقديس والإطراء: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنّما أنا عبد الله ورسوله) رواه البخاري.

وإذا كان النبي العظيم بشر ًا كالبشر، فليس مخلوقًا من نور، ولا من ذهب، وإنّما خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب. هذا من حيث المادة التي خلق منها محمد (- صلى الله عليه وسلم -) .

أمّا من حيث رسالته وهدايته فهو نور من الله وسراج وهّاج،. أعلن ذلك القرآن فقال يخاطبه: (يا أيّها النّبي إنّا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا * وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا) [3] ، وقال يخاطب أهل الكتاب: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين) [4] ، فالنور في الآية

(1) سورة الكهف: آية (110)

(2) سورة الإسراء: آية (93)

(3) سورة الأحزاب: آيات (45،46)

(4) قال القرطبي، رحمه الله، (تفسيره 12/ 257) :"وقد سمّى الله تعالى كتابه نورًا فقال: (وأنزلنا إليكم نورًا مبينًا) ، وسمّى نبيه نورًا فقال: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين) ، وذلك لأنّ الكتاب يهدي ويبين وكذلك الرسول"فالله يصف نبيه تارة بأنّه نور، وتارة بأنّه سراج منير، والسراج غير النور فهو جسم والآخر عرض، وكلّ ذلك لبيان أنّ النبي (- صلى الله عليه وسلم -) يهدي هداية إرشاد ودلالة، لا توفيق وإلهام كالنور أو السراج، وإنّما هو بشر، فمن تبع هذا أفلح ونجي، ومن خالفه ضلّ وهوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت