وقد ذهب السبكي بعد أن ذهب إلى ردّ القول بوجود النبي (- صلى الله عليه وسلم -) بجسمه في ذلك الوقت، أشار إلى أنّ المراد روحه، لمّا جاء أنّ الأرواح خلقت قبل الأجساد، وهذا غير مسلّم به، يحتاج إلى إثبات [1] ، وقد علمه أبو حامد الغزالي، وقرر غيره وردّه.
هذا وقد اعترف بعضهم بأنّه لا سبيل لإثبات أنّ الروح سبقت الجسم بالأدلة العقلية [2] ، فعلم أنّه لا سبيل لتقرير هذا الزعم، بالشرع ولا بالعقل، فالشرع أتى بخلافه، فإنّ الذي ثبت في حديث الصادق المصدوق، أنّ الروح تنفخ بعد أن يجمع الخلق ويستتم أربعين ثمّ أربعين ثمّ أربعين [3] .
كما أنّ الإنسان قبل خلقه ليس بشيء، والروح شيء، كما قال تعالى: (وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئًا) . فالصواب ما ذكره أبو حامد الغزالي، رحمه الله، في معنى هذا الحديث، وسيأتي بإذن الله مزيد بيان لهذا الوجه عند ذكر الأحاديث الأخرى.
وأبعد من هذا قول ابن عربي محي الدين صاحب الفصوص والفتوحات المكية، وقد ساقه المناوي في فيض القدير (5/ 53) ، والتمس له تأوّلًا بما يشبه القول الثاني الآتي، والذي ذكره أهل العلم في هذا الأثر، وتأويل المناوي لكلام ابن عربي وجه غير الذي أراده ابن عربي، ومعنى غير الذي قرره في فصوصه وفتوحاته، والذي بناه على اعتقاد وحدة الحقيقة الوجودية، ولعلّه تأتي الإشارة إليه عند ذكر آخر حديث.
القول الآخر في معنى هذا الحديث ذكره الخلاّل بعد أنّ ساق الأثر، وهو قول الإمام أحمد قال:"أول النبيين-يعني خلقًا- (وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح) بدأ به"(السنة
(1) وهو من عقيدة الشيعة، فهم يروون عن الصادق قوله:"إنّ الله آخى بين الأرواح قبل أن يخلق الأبدان بألفي عام"انظر الاعتقادات للصدوق ص 26، والفقيه 4/ 352، وبحار الأنوار 6/ 249. وهو اعتقاد عند أهل السنة خلافه.
(2) ومن هؤلاء السياغي، حيث قال في تحفة المشتاق إلى شرح أبيات المولى إسحاق ص 13:"وأمّا الاعتضاد بالدليل العقلي فالحق ما ذكره بعض المحققين أنّ وجود النفس قبل البدن لم يحصل بذلك دليل عقلي".
(3) وما يروونه من أحاديث كحديث عتبة بن السكن (المتروك) وأرطأ بن المنذر (وفي أحاديثه أغلاط) : إنّ الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام، ونحوها فضعيفة، ومن أراد مزيد بيان فليراجع كتاب (الروح) للعلامة ابن القيّم، فصل في الدليل على أنّ خلق الأرواح متأخر على أبدانها ص 172، وما بعدها.