الصفحة 1 من 24

النكرة في سياق النفي وأثرها في

تقرير المعنى في القرآن الكريم

هادي غالي رضا الدخيلي

الكلية التربوية المفتوحة - مركز ذي قار

بسم الله الرحمن الرحيم

النفي كما هو معلوم، الإبطال والعدم، وهو عند البيانين، أسلوب نقض وإنكار، يستعمل لإزالة ما في ذهن المخاطب من اقتناع بشيء. فابن عباس في قوله (لا يصلحُ الهجاء) الذي خاطب به الحطيئة، كما جاء في كتب الموروث الأدبي، إنما أراد نقض ما استقر في ذهن مخاطبه من صلاح الهجاء وفائدته.

فجمله (لا يصُلحُ الهجاءُ) التي أراد ابن عبّاس أن ينفي بها (الهجاء) ،وهو غرض من أغراض الشعر المعروفة، صفة الصلاح، ويحذر الحطيئة المعروف بسلاطة لسانه، الا يتمادى فيه، لما قد يجره ذلك إلى ذم أناس لا جريرةَ لهم، الا أنّهم أقارب المهجو.

النفي الذي يعرفه الدارس فيما مرّ مفرقًا على أبواب النحووموضوعاته, ... فدراسة الأساليب في النحو أذن من شأنها أن تجمع ما تفرق من الموضوع النحوي في مكان واحد، كما أنها تعنى الدلالات الجمل ووظائف المفردات، فتكسب دروس النحو شيئًا من الطرافة، قد تخرجه عنها الدراسة النحوية التقليدية.

ولذا جاءت هذه الدراسة الموسومة النكرة في سياق النفي وأثرها في تقرير المعنى في القُرآن الكريم لتحقق الغرض الذي جاءت من اجله وهو خدمة لغتنا الكريمة وتبصير أبنائنا بما لها من روعة في الأداء، ودقة في التعبير ومن الثابت أنّ ألفاظ القُرآن الكريم غنّية بالمعاني لما لها من موروث دلالي يتصرف فيه القُرآن في سياقاته المختلفة، فيفيض عليها دلالات جديدة، فهذه الألفاظ قد وُضعت في سياق القرآن الكريم وضعًا إعجازيًا، بحيث إن اللفظ قد وضع للمعنى المقرر له، (فالتعبير القُرآني تعبير فنّي مقصود، كلّ لفظةًٍ بل كلّ حرف فيه وضع وضعًا فنيًا مقصودًا، ولم تُراع في هذا الوضع الآية وحدها، ولا السورة وحدها بل رُوعي في هذا الوضع التعبير(القُرآني كلّه) 1.(وقد كان القُرآن دقيقًا في اختيار ألفاظه وانتقاء كلماته، فإذا اختار اللفظة معرفة كان ذلك لسبب، وإذا انتقاه نكرةً كان ذلك لغرض، وهكذا دائمًا:

لكلّ مُقامٍ مقال في التعبير القُرآني)2 وقد يظنّ ظانٌّ أن المعرفة أجلى، فهي من النكرة أولى، وعلة ذلك أن النكرة ليس لمفردها مقدار منصوص، نجد أن المعرفة، فإنها لواحد بعينهِ، يُثبت الذهن عنده ويسكن إليه) 3

(فاللفظ القُرآني ذو سمة خاصة، فقد لفت مدار الإعجاز عند الغزالي، فما من كلمةٍ في القرآن الكريم الا وتحقيقها يحوج إلى انقضاء العمر في استيفاء إدراكها) 4

ومن هنا نجد عناية القُرآن الكريم باللفظة المستعملة فيه، فالكلمة في جملةٍ بمنزلة الفرِيدة في حَبّ العِقد، فلا يقع مثلها لمخلوق ولا يستطيع احد ا?تيان بمثلها، وقد تكون الكلمة أحوالها مختلفة بالإضافة الى استعمالاتها، فتارة يفضّل القُرآن الكريم استعمالها نكرةً، ويُكرهُ استعمالها معرفة , والعكس. وهذه الحقيقة هي التي اسعى جاهدًا في هذا المبحث إثباتها وتوضيحها.

أدوات النفي ـ لا النافية للجنس ـ

بادئ ذي بدء، أن أقوى أدوات النفي عند غالبية النُحاة، هي ـ لا النافية للجنس ـ، لأنَّ النفي بها اقطع، وان النفي بها يجري مجرى العموم في معناها الاعتباري قال تعالى: (( فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ ) ) (البقرة ـ 197) وسأعرض لهذه الآية الكريمة والخلاف النحوي الذي جرى فيها والعطف الذي جرى في سياقها، كما أنها من آيات الأحكام الذي يترتب عليها اثر التكاليف عند العبد.

غير أن صاحب (المغني) يرى في ـ لا النافية للجنس ـ وجوهًا ثلاثة: اولها: أن تكون نافية، وهي على خمسة أوجه:

الثاني: أن تكون عاملة عمل إنّ، وذلك إنْ أريد بها نفي الجنس على سبيل التنصيص، وتسمى حينئذٍ تبرئة، وإنما يظهر نصب اسمها إذا كان خافضًا نحو: (لا صاحبَ جُودٍ مذمومٌ)

وتخالف ـ لا ـ هذه إنَّ من سبعة أوجه: احدها في النكرات. الثاني: أن اسمها إذا لم يكن عاملًا فإنّه يُبنى، قيل لتضمنه معنى من الاستغراقية، وقيل: لتركيبه مع لا تركيب خمسة عشر، وبناؤه على ما ينصب به لو كان معربًا فيبنى على الفتح في نحو (لا رَجُلَ، ولا رجالَ)

وفيه: قَالَ تعالى: (( لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ) ) (يوسف: 12) (( قالوا لا ضيرَ ) (( لا قائمين ) )ومثل لا رجل عند الفراء: (لا جَرَمَ) نحو: (( لا جَرمَ أنَّ لهمُ النّار ) ) (النحل:62) والمعنى عنده لا بدَّ من كذا أولا محالة في كذا، فحذفت (( من ) )أو (( في ) )وقال قطرب (لا) ردَّ

لما قبلها، أي ليس الأمر كما وصفوا، ثم ابتدئ بما بعده، وَجرمَ: فعل، لا اسم ورده الفراء بان (لا) لا تزاد في أول الكلام 5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت