الصفحة 13 من 24

الموقنون بالآخرة )) (16) .على الرغم من أنها واقعة بين معنيين متباينين.

وقالوا في قوله تعالى: (( واتخذ الله إبراهيم خليلا ) )من قوله تعالى: (( ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا، ولله ما في السماوات وما في الارض وكان الله بكل شيء محيطا ) ) (النساء: 125 ـ 126) (( هذه الجملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب ) ) (17) مع انه واقع بين كلامين غير متصل احدهما بالآخر وهو مرتبط بما قبله وغير مرتبط بما بعده ولا ندري كيف صار النصان

السابقان اعتراضا مادام الكل اما متباينين معنى أو غير متصلين معنى. وعلى وفق هذا فليس هذا القول مما يصح الذهاب إليه فهو يتنافى مع ما ذكروه للاعتراض من تعريف. وما قالوه أنفسهم عن الاعتراض فقد قالوا: ((

ومن حق الاعتراضي أن يؤكد ما اعترض بينه ويناسبه )) (18)

وحاول قسم من الذين تحدثوا عن الجملة الاعتراضية أن يحصر الجملة الاعتراضية بين المتلازمين قال أبو حيان (ت 745 هـ) (( لأن شرط جملة الاعتراض أن تكون فاصلة

بين متقاضيين )) (19) وبه رد أبو حيان الأندلسيرأي من رأى أن قوله تعالى: (( وهم بالآخرة هم يوقنون ) )جملة اعتراضية (20) قال أبو حيان:

(( هو على غير اصطلاح النحاة في الجملة الاعتراضية من كونها لا تقع إلا بين شيئين متعلق بعضهما ببعض، كوقوعها بين صلة موصول، وبين جزأي إسناد، وبين شرط وجزائه، وبين نعت ومنعوت، وبين قسم ومقسم عليه، وهنا ليست واقعة بين شيئين مما ذكر ) ) (21) . أي يشترط ان تقع بين المتلازمين.

وهذا الرأي مما لا يصح الذهاب إليه لأن المتتبع للجمل الاعتراضية في القرآن الكريم يجد أنها تقع بين المتلازمين وبين غيرهما كالفعل ومفعوله او الفعل وشبه الجملة المتعلقة به وتقع أيضا بين جملتين مستقلتين بينهما علاقة سبب أو تفسير أو بيان (22) أو بين المتصلين معنى كالأحداث المتصلة في قصة وغيره، ومنه قوله تعالى: (( والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى ) )من قوله تعالى: (( فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وَضَعَتْ وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ) ) (آل عمران: 36)

ذكرنا في ما مر أن بعض المتحدثين عن الجملة الاعتراضية قد توسعوا في مفهوم الاعتراض فادخلوا فيه ما لم يكن معترضا بين معنيين متصلين وادخلوا فيه التكميل والتذييل وهم بهذا قد ادخلوا في الاعتراض ما ليس فيه، وما لا ينطبق عليه تعريفه، ومع هذا فإننا لو دققنا النظر وتمعنا في بعض النصوص القرآنية التي ادعوا أنها اعتراضية لوجدنا أنهم غير موفقين في هذا الادعاء فقد ذهب كثيرون إلىأن قوله تعالى: (( قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين، الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ) ) (النحل:27 ـ 28) جملة اعتراضية (23) . (( جيء بها تحقيقا لما حاق بهم من الخزي على رؤوس الأشهاد ) ) (24) بين قوله تعالى: (( ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم(النحل: 27) وقوله تعالى: (( فألقوا السلم ما كنّا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون ) ): (النحل: 28)

وفي هذا النص القرآني يرسم الله تعالى مشهدا من مشاهد القيامة يسأل الله المشركين فيه، أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم؟ فيقول اللذين أوتوا العلم (( إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين، الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ) ) (النحل:27 ـ 28) ، وحتما أن الله قد أذن لهم بالكلام بدليل قوله تعالى عن يوم القيامة: (( لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا ) ) (النبأ: 38) ثم يظهر المشركون الانقياد والخضوع، ويقولون: (( ماكنا نعمل من سوء ) )، فيقول: أهل العلم: (( بلى إن الله

عليم بما كنتم تعملون )) ثم يدخلهم جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين.

ومن هذا يظهر أن كلام أولوا العلم ليس من كلام الله تعالى ولا من كلام المشركين، فهو في الظاهر جملة اعتراضية،

غير أن القرآن الكريم في موضع آخر ذكر الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم في مشهد حواري بعد وفاتهم مع

غيرهم قال تعالى: (( إن الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ) ) (النساء: 97) ويظهر من هذا أن الـ (ظالمي أنفسهم) في الآيتين واحد (25) وان المحاورين لهم واحد وهم أهل العلم، ولو أردنا رسم المشهد على وفق معطيات الآيتين نجد أن المشهد يبدأ بسؤال الله المشركين أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم؟ ثم يتحدث أولو العلم بإذن الله فيقولون: إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم. فيم كنتم؟ فيرد المشركون: كنا مستضعفين في الأرض. فيرد أولوا العلم: الم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها؟ ثم يظهر المشركون الانقياد والخضوع، ويقولون ما كنا نعمل من سوء فيقول أهل العلم: بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون ثم يقول الله تعالى: (( فادخلوا أبواب جهنم خالين فيها فلبئس مثوى الكافرين ) ): (النحل: 29) ومن هذا يظهر ان لا اعتراض في الآية.

وذهب كثير من المفسرين والبيانيين الى كون: (( قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم ) ) (الأحزاب:50) جملة اعتراضية (26) بين قوله تعالى: (( وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين ) ) (الأحزاب: 50) وقوله تعالى: (( لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما ) ) (الأحزاب: 50) انسجاما مع ظاهر الآية الذي يبين أنها اعتراض بين السبب والمسبب غير أن النحاس (338 هـ) في معاني القرآن يرى أن معنى قوله تعالى: (( قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم ) ) (الأحزاب:50) أي قد علمنا ما في ذلك من الصلاح، وهذه كلمة مستعملة يقال: أنا أعلم مالك في ذا. )) (27) وعلى وفق هذا فلا اعتراض ويكون المعنى: وان وهبت امرأة مؤمنة نفسها لك فيحل لك الزواج منها بغير مهر وهذا حكم خاص بك وقد علمنا ما في ذلك من الصلاح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت