الصفحة 13 من 36

(4 أ) قرأتُ خبَرًا في الصحيفةِ.

(4 ب) ماتت أمُّ صَديقي أمسِ إثرَ مرضٍ عضالٍ.

حينَما نَسْتقبِلُ هاتين الجملتين نُدركُ أنَّ وَضْعَ الجملتين على هذا النحو المتتابع - سواء أكانَ ... تتابعُهُما تتابعًا سماعيًا في الأداء الشفاهيِّ للغة، أم تتابعًا بصريًّا في المستوى الكتابيِّ -، لا يُؤدّي إلى أيّ علاقة تُسَوِّغ الجمعَ بينهما. فهذا"التتابع"أو هذِهِ"المجاورة"الجملية، لا تكفي وحدها لإنشاء علاقةِ وفاقٍ دلالية بين الجملتين، تربط إحداهما بالأخرى. وهذا يعني أنَّ المتلقي (المستمع/ القارئ) مُعَرَّضٌ إلى عَدَمِ فهْمِ علاقةِ الجملةِ الأولى بالثانيةِ، إذ ما الداعي إلى ذِكرِ قراءَتي خبرًا في الصحيفةِ جَنْبًا مَعَ مَوْتِ أمِّ صَديقي أمسِ إثرَ مرضٍ عضالٍ؟

أريد أن أقول: إنَّهُ ما مِنْ شيءٍ يربِطُ بينَ (4 أ) و (4 ب) ، ومِنْ ثمَّ ينتج عن غيابِ الربطِ وارتفاع الرابط، انعدامُ العلاقةِ الدلاليةِ التي تجْمَعُ بينهما وتجعلُهُما جملة واحدة مفهومة على أنها وحدة تركيبية دلالية واحدة. يمكنُ القولُ بطريقةٍ أخرى: إنَّ عَدَمَ وجودِ الربطِ، لا يُفضي إلا إلى انفصال تركيبيٍّ دلاليٍّ تامٍّ بينَ الجملتين [1] ، وهذا يَستتبع بالضرورةِ انقطاعَ عمليةِ التواصل اللغويِّ بينَ المرسِل والمتلقي. فلا يعودُ بمُكنةِ الثاني أنْ يَفهَمَ الأولَ، بل لا يكونُ بمقدرةِ الأول أنْ يُفْهِمَ الثاني.

أظنّ أنّ مِنْ هاهنا نشأت حاجة اللغةِ إلى وسيلةٍ لغويَّةٍ تركيبيَّةٍ يَتَوَسَّلُ بها الناطقُ اللغويُّ للربطِ بينَ الجمل المتغايرةِ، وذلكَ بُغية دَفْعِ الانفصال بَيْنَ الجملتين، وأجلَ إقامةِ علاقةٍ دلاليَّةٍ بينهما. وتكونُ هذه الوسيلة قادرة على تكوينِ جملةٍ واحِدَةٍ من الجملتين، على أساسٍ مِنْ وجدان العلاقةِ الدلاليَّةِ الواحدةِ التي يتسبَّبُ بها دخولُ الرابطِ. إذن، فدخولُ الرابطِ يَعْمَلُ على"تركيبِ"جملةٍ واحدةٍ من جملتين، بمعنى أنَّ الرابطَ يُحقِّق للجملتين وحدة واحدة مِنْ جهتين: جهةِ التركيبِ وجهةِ الدلالةِ، وهذا هو الذي يَجْعَلُنا نشعُرُ - في النهايةِ - أننا إزاءَ جملةٍ واحدةٍ ذاتِ وَحْدَةٍ تركيبيَّةٍ دلاليَّةٍ، أو يَجْعَلُنا نَعي أننا أمامَ جملةٍ واحدةٍ،"مُرَكَّبة"من جملتين"مربوطتين"بأداةٍ لغويَّةٍ.

وربَّما يَحِقُّ لنا مِنْ بعدُ أنْ نقولَ: إنَّ العلاقة الدلاليَّة التي يُمْكِنُ أنْ تنشأ بينَ (4 أ) و (4 ب) ، ليست قصرًا على علاقةٍ دونَ أخرى. بل ثمَّة علاقاتٌ كثيرة يستطيعُ الناطقُ إقامتها أو تخيّلها بينَ تينك الجملتين. فقد تُفهَمُ تلك العلاقة على أنَّها علاقة"توقيتيَّة"أو"زمنيَّة"، ويُمْكِنُ حينئذٍ أنْ تُوَظَّفَ الأداة"بَعْدَ أنْ"أو"قبْلَ أنْ"على النحو:

(4 ج) قرَأتُ خَبَرًا في الصحيفةِ بعدَ أنْ ماتتْ أمُّ صديقي أمسِ إثرَ مرضٍ عضالٍ.

(4 د) قرَأتُ خَبَرًا في الصحيفةِ قبلَ أنْ تموتَ أمُّ صديقي أمسِ إثرَ مرضٍ عضالٍ.

كما يُمْكِنُ أنْ يَفترِضَ آخرُ أنَّ العلاقة التي من الممكِنِ إنشاؤها بينَ الجملتيْن علاقة ..."سببيَّة". إذ قد يُخيَّلُ إليهِ أنَّ صديقي وأمَّهُ عزيزان جدًّا على قلبي، وأنَّ مَوْتَ أمِّهِ قد فَجَعَني كثيرًا، وفي لحظةٍ أرَدتُ أنْ أخففَ المصابَ على نفسي بأنْ أروِّحَ عنها وأشغلَها بقراءةِ الجريدةِ. ويَنْبَني على هذا الفهمِ أنْ تُسْتخدَمَ الأداة"لأنَّ"أو"بسببِ أنَّ":

(4 (هـ قرأتُ خَبَرًا في الجريدةِ لأنَّ أمَّ صديقي ماتتْ أمسِ إثرَ مَرَضٍ عضال.

وقد يرى ثالث في الجملتين (4 أ) و (4 ب) علاقة قائمة على"النتيجةِ"، فيستخدِمُ - مثلًا - ..."ولذلك":

(4 و) ماتتْ أمُّ صديقي أمسِ إثرَ مَرَضٍ عضال، ولذلك قرَأتُ خَبَرًا في الجريدةِ.

(1) (إذن، الانفِصالُ هو» انعِدامُ العلاقةِ الدلاليَّةِ والعلاقةِ النحويَّةِ بينَ الجُملةِ وما يُجاوِرُها مِنْ جُملٍ، أو بينَ المُكوِّنِ وما يُجاوِرُهُ مِنْ مُكوِّناتٍ داخِلَ الجُملةِ «(حميدة،1997: 137) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت