الصفحة 25 من 36

إنْ أريدُ إلا القولَ بطريقةٍ أخرى: حيثما وُجِدَ إسنادٌ أصليٌّ شاغلًا موقعًا إعرابيّا أو وظيفة نحويَّة كتلك التي للأسماءِ، فإنَّ العربيَّة تعْمدُ إلى إجراءِ تدبيرٍ تركيبيٍّ ما. بعبارةٍ أخرى: إنَّ المركبَ الإسناديَّ الأصليَّ أو التامَّ متى وَقعَ مواقعَ المفرداتِ، كالفاعِل أو المفعول بهِ أو نائب الفاعل أو المبتدأ المؤخر أو الخبرِ أو المضافِ إليهِ أو المجرور بالحرفِ، لزمَ القيامُ بما مِنْ شأنِهِ أنْ يَعْمَلَ على ربطِ هذا الإسنادِ بالإسنادِ الأكبرِ الذي يحتضِنُهُ، فتلجأ اللغة حينئذٍ إلى الربطِ بوساطةِ (أنَّ) ، فقط في حال كون المربوطِ إسنادًا أصليًّا أو تركيبًا جُمْليّا يَصِحُّ أنْ يَحلَّ مَحلهُ مفردٌ. وقد تنبَّهَ بعضُ السلفِ باقتِدارٍ إلى هذا عندَما تحدثوا عن مواضِع فتح همزةِ (إنَّ) . يقولُ"الكفويُّ" (1988:191) :» وتفتحُ (أنَّ) وجوبًا بأنْ كانتْ مَعَ ما بَعْدَها فاعلة نحوَ: (بلغني أنَّ زيدًا قائمٌ) ، لوجوبِ كون الفاعل مُفرَدًا، وكذا إذا كانت مَعَ ما بَعْدَها مبتدأ نحوَ: (عندي أنَّكَ عالِمٌ) لوجوبِ كون المبتدأ مُفرَدًا. وكذا إذا كانتْ مَعَ ما بَعْدَها مَفعولًا نحوَ: (علمتُ أنَّكَ كريمٌ) لوجوبِ كون المفعول مُفرَدًا. وكذا إذا كانتْ مَعَ ما بَعْدَها مُضافًا إليهِ نحوَ: (أعْجَبَني اشتِهارُ أنَّكَ فاضِلٌ) لوجوبِ كون المُضافِ إليهِ مُفرَدًا ... «.

لأجل ذلك أقولُ: إذا صَحَّ أنَّ"يُعْجبُني اجْتِهادُكَ"هُوَ تأويلُ قولِكَ:"يُعْجبُني أنَّكَ مُجْتهِدٌ"، وأنَّ"عَلِمْتُ رَحْمَة اللهِ"هُوَ تأويلُ:"عَلِمْتُ أنَّ اللهَ رحيمٌ"، وأنَّ"شَعَرْتُ بقدومِكَ"هُوَ تأويلُ:"شَعَرْتُ بأنَّكَ قادِمٌ"- إذا صَحَّ التأويلُ على هذا النحوِ، فليسَ يَصِحُّ عندي أنْ يُرَدَّ ذلكَ إلى» أنَّنا لو لمْ نؤولْهُ، لكانت"يُعْجبُني"بلا فاعل، و"عَلِمْتُ"بلا مَفعول، و"الباء"بلا مَجرور « (غلاييني،1991:2/ 313) . بل الحقيقة تقضي بأنْ يُقالَ: إنَّ جملة"أنتَ مُجْتهدٌ"هي فاعلُ الفعل"يُعْجبُني"في المثال الأول، أو هي المُسْندُ إليهِ للمُسْندِ الفعليِّ، ولأجل كون الفاعل هنا جملة جيءَ بـ (أنَّ) [1] . وإنَّ جملة"الله رحيمٌ"هي مَفعولُ الفعل"عَلِمَ"حَسْبَ المثال الثاني، وبسببِ مجيءِ المَفعول جملة أدْخِلتْ (أنَّ) الجملة. وكذا المثالُ الثالِثُ، فجملة"أنتَ قادِمٌ"هي مَجرورُ الباءِ، ونظرًا لكون المَجْرورِ ههُنا جملة أقحِمَتْ (أنَّ) .

(4 - 1 - 4)(أنَّ)وتعَدُّدُ المفاعيل: مثلٌ مِنْ رفضِ تداخُل الأسانيدِ دونَ رابطٍ

ولعلَّ خيرَ مثال يُمكِنُ أنْ نَسوقهُ على الفكرةِ التي نقولُ بها، بعضُ تلك الأفعال المُسَمّاةِ بأفعال القلوبِ. ففي أوضاع هذهِ الأفعال وأحوالِها داخلَ الجملةِ، ما يُشيرُ إلى أنَّ العربيَّة تفرُّ - في أكثر الأحايين - مِنْ أنْ تقعَ الأسانيدُ موقعَ المفرداتِ دونَ تدبيرٍ تركيبيٍّ أو واسطةٍ تتوكأ عليها. إذ تدخلُ هذه الأفعالُ - فيما هو ثابتٌ معلومٌ - على ما أصلُهُ المبتدأ والخبرُ، وما دامت هذه هي الحال، جازَ لنا أنْ نُقدِّرَ البنية المضمرة للتركيبِ المحتوي على أحدِ أفعال القلوبِ على النحو:

(43 أ) * عَلِمَ الشرطيُّ (المُتهَمُ بريءٌ) .

وغيرُ خافٍ أنَّهُ تركيبٌ مِمّا ترفُضُهُ العربيَّة، ذلكَ أنَّ إبقاءَ التركيبِ على هذا الوضع مَعناهُ بقاءُ الابتِداءِ في (المُتهَمُ بريءٌ) على حالِهِ، رَغمَ دُخول الفعل (عَلِمَ) . ومَعْلومٌ أنَّ الابتِداءَ يوهِمُ الانقِطاعَ أو الانفِصالَ بينَ الجملةِ الوارِدِ فيها وبينَ ما قبلَها (السهيليّ، 1984:340) ، ولذلك آثرت اللغة التخلصَ من المحظور التركيبيِّ المتولدِ من حلول التركيبِ الإسناديِّ (المُتهَمُ بريءٌ) مَحَلَّ المفرد، فقد يُقالُ:

(43 ب) عَلِمَ الشرطيُّ الحقَّ.

(1) (ذهَبَ النحويّونَ في مسألةِ كَونِ المُسْندِ إليهِ(الفاعل ونائبه) جملة مَذاهِبَ مُختلفة: فقومٌ على المَنْعِ، وهو الصَّحيحُ كما يَقولُ ابنُ هشامٍ (1988: 167) ، والأصَحُّ كما يَقولُ السُّيوطيِّ (1998: 1/ 525) . وآخرونَ يُجَوِّزونَهُ في كلِّ جملةٍ، وهو رأيُ هشامٍ وثعلب وجماعة (ابن هشام، 1985: 524) . ونفرٌ ثالِثٌ يَرى أنَّ جوازَهُ مَشروطٌ بشرطين: بكونِ المُسْندِ - أي الفعل - قلبيًّا، وباقترانِ الجملةِ المُسْندِ إليها (الجملة الفاعل) بأداةٍ مُعَلِّقةٍ (ابن هشام، 1985: 524) ، (عبد اللطيف، 1996: 35) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت