أنَّكَ إذا قلتَ: (رأيتُ متاعَكَ بعضَهُ فوقَ بعض) ، فقد أبْدَلْتَ الآخِرَ من الأول، وكأنَّكَ قلْتَ: (رأيتُ بعضَ متاعِكَ فوقَ بعض) « (سيبويه،1991:3/ 132) .
ويؤكدُ هذا الذي أذهبُ إليهِ بشأن مُقارنةِ"سيبويه"لـ (أنَّ) بالاسم المَوصول، ما صرَّحَ بهِ"ابنُ يعيشَ" (1988، 8/ 59) مِنْ أنَّ (أنَّ) » مع ما بعدَها مِنْ منصوبها ومرفوعِها بمنزلةِ الاسمِ المَوصول، فلا يَكونُ كلامًا مع الصلةِ إلا بشيءٍ آخرَ مِنْ خبرٍ يأتي بهِ أو نحو ذلكَ، فكذلك (أنَّ) المفتوحة، لأنَّها في مذهبِ المَوصول إلا أنَّها ليستْ اسمًا كما كانت (الذي) كذلكَ «. وعلى أيِّ حال، يَنبغي أنْ نُدْرِكَ أنَّ"سيبويهِ"حينما يُصَرِّحُ بأنَّ لـ (أنَّ) موضعًا إعرابيًّا، فالمُرَجَّحُ عندي أنَّهُ إنَّما يَعني (أنَّ) والجملة التي تليها، لأنَّهُ في مواقِعَ أخرى يَنظرُ لـ" (أنَّ) وصلتِها"نظرة إفراديَّة مُركبيَّة كأنَّهُما وحدة واحدة أو كلمة واحدة، قالَ (1991:3/ 143 - 144) :» ... لأنَّ (أنَّ) وصلتها بمنزلة الانطلاق «.
هذا وقد أشارَ بعضُ الباحثينَ المُحْدَثينَ إلى أنَّها أداة"للوصل"أو"الربطِ"، ومِنهم"إبراهيم مصطفى" (1937:5) و"مهدي المخزومي" (1964:317 (و"أحمد المتوكل"(1987:138 - 153) . وإذا كانَ"فاضل السامرائي"يرى أنَّ لـ (أنَّ) عدَّة معانٍ وغايات في الكلام لا ينفكُّ أحدها عن الآخر، إلا أنَّه يَعترِفُ بأنَّ أهمَّ وظائفِها إنما هي الوظيفة التركيبيَّة حيث يقولُ:» إنَّ أهمَّ وظيفةٍ لها أنَّها توقِعُ الجملة موقعَ المفرد، فتهيئها لتكونَ فاعلة ومفعولة ومبتدأ ومجرورة ونحو ذلك « ... (2002:1/ 268) .
استبانَ مِمّا سَبَقَ أنَّ هناكَ انفِصالًا تركيبيًّا بينَ الإسْنادِ الأصْغرِ والإسنادِ الأكبرِ في مثل: ... (* أوضَحَ الوزيرُ الاجتماع تأجَّلَ) ، وأنَّ هذا الانفصالَ التركيبيَّ يُفضي إلى انفصال آخر دلاليٍّ. ومِنْ هُنا كانَ لا بُدَّ مِنْ أنْ تصطنِعَ اللغة وسيلة تعْمَلُ على رَتق الفتق في الجملةِ، فاستحدثت الأداة (أنَّ) ، لِتعْمَلَ على إدْماج الإسنادِ الأصغرِ (الاجتماع تأجَّلَ) في الإسنادِ الأكبرِ، ليَنتهيَ التركيبُ إلى: (أوْضَحَ الوزيرُ أنَّ الاجتماعَ تأجَّلَ) . وحَسْبَ وجهةِ النظرِ هذه، فإنَّ (أنَّ) أداة تنشئُ رَبْطًا بينَ طرفين جُمْلِيَّيْن يُعَدُّ أحدُهُما مُكَوِّنًا للآخر. وقد صَرَّحْنا غيرَ مَرَّةٍ بأنَّنا ميّالونَ إلى هذا التفسيرِ، راغِبونَ في تسْمِيةِ (أنَّ) أداة للربطِ الإدْماجيِّ.
ولكنَّ النفسَ كثيرًا ما راوَدَها تفسيرٌ آخرُ، ظنَنْتُ لمُدةٍ طويلةٍ أنَّهُ هو التفسيرُ الراجحُ، بيدَ أنَّهُ أضحى عندي بَعْدَ البحثِ والتقصّي مَرْجوحًا، ويَحْسُنُ أنْ نورِدَهُ بشيءٍ من المُناقشةِ والتفصيل ههنا. أقولُ: قد يُرَدُّ سببُ رفض اللغةِ التركيبَ (* أوضَحَ الوزيرُ الاجتماع تأجَّلَ) إلى أنَّ ثمَّة"تجاوُرًا"غيرَ مألوفٍ للأسانيدِ، أو قلْ إنَّ اللغة ليسَ لها عَهْدٌ بأسانيدَ مُتجاوِرةٍ على هذا النحوِ، ولذلكَ فإنَّ دَفعَ هذا"التجاوُرِ"المَرفوض والتخلصَ مِنهُ، قد يُتصَوَّرُ تحقيقهُ بوساطةِ"الفصل"بينهُما باستخدامِ (أنَّ) ، لا الربط بينهما بها. والمُنتظَرُ حَسْبَ هذا التفسيرِ - الثاني - أنْ تُوَصَّفَ (أنَّ) على أنَّها أداة للفصل التركيبيِّ، وليست للربطِ.
غيرَ أنَّني أرَجِّحُ التفسيرَ الأوَّلَ، على اعتِبارِ أنَّ اللغة تعرِفُ - في مَوطِنٍ آخر بعيدًا عن (أنَّ) - ظاهرة تداخل الأسانيدِ أو تجاوُرِها، بحيثُ يَغدو الإسنادُ الأصغرُ أحَدَ عَناصِرِ الإسنادِ ... الأكبرِ، مَعَ وُجوبِ وُجودِ رابطٍ ضميريٍّ بينهُما. كقولِنا: (مَرْيَمُ سافرَ أبوها) . فقد ... صَرَّحَ بعضُ السلفِ بضرورةِ مجيءِ الرابطِ في أحَدَ عَشَرَ موضِعًا (ابن هشام،1985:653 - 663) ، مِنْ ذلكَ الجملة المُخْبَرُ بها، والجملة المَوْصوفُ بها، والجملة الموصولُ بها الأسماءُ، والواقعة حالًا.