الصفحة 22 من 36

(38 ج) حَزِنتُ لرُسوبِ هندٍ في الامتحان.

إنَّ مجيءَ (أنَّ) المحكومَ بمجيءِ الإسنادِ التامِّ يَدفعُنا مِنْ جديدٍ إلى النظرِ للأداةِ (أنَّ) بعَدِّها رابطًا تركيبيًّا في الأساس، ليسَ الغرضُ مِنْ دُخولِهِ الجملة إضافة أيِّ معني لغويٍّ. وأمّا اللامُ فننظرُ إليها بوصفِها رابطًا سببيًّا ليسَ غيرُ. أيْ أنَّ اللامَ مُدْمِجٌ على معنى السببيَّةِ، بينما ينحَصِرُ دَوْرُ (أنَّ) في الجانبِ التركيبيِّ المتمثل في تسهيل إدماج ما كانَ إسنادًا أصليّا تامًّا.

ونقيسُ على هذا قِياسًا سَوِيّا الأداة (بسببِ) و (بسبب أنَّ) :

(39 أ) * حَزِنتُ بسببِ هند رَسَبَتْ في الامتِحان.

(39 ب) حَزِنتُ بسببِ أنَّ هندًا رَسَبَتْ في الامتِحان. (+ أنَّ)

(39 ج) حَزِنتُ بسببِ رُسوبِ هندٍ في الامتِحان. (- أنَّ)

وكذا الحال مع (رَغمَ) ، إذ هي أداة للربطِ الإدماجيِّ، تعْمَلُ وحدَها دونَ"أنَّ"على إدماج الإسنادِ في حال الدلالةِ على (المُناقضة) ، ولكنْ شرطَ أنْ يكونَ الإسنادُ الذي تدْمِجُهُ إسنادًا ناقصًا. فأمّا إذا كانَ الإسنادُ أصليًّا لزِمَ توظيفُ (أنَّ) ، فتصيرُ الأداة (رَغمَ أنَّ) :

(40 أ) * رَسَبَتْ هندٌ في الامتِحان رغمَ هي دَرَسَتْ جيِّدًا.

(40 ب) رَسَبَتْ هندٌ في الامتِحان رَغمَ أنَّها دَرَسَتْ جيِّدًا. (+ أنَّ)

(40 ج) رَسَبتْ هندٌ في الامتِحان رَغمَ دِراستِها جيِّدًا. (- أنَّ)

ويُمكنُ تطبيقُ الشيءِ نفسِهِ على طائفةٍ أخرى من الأدواتِ المُتنوِّعةِ، مثل: (كـ / كأنَّ، كما / كما أنَّ، مِنْ أجل / مِنْ أجل أنَّ، لو / لو أنَّ، لولا / لولا أنَّ، مُذ / مُذ أنَّ، إلا / إلا أنَّ، غيرَ / غيرَ أنَّ، بَيْدَ / بَيْدَ أنَّ، مَعَ / مَعَ أنَّ، نتيجة / نتيجة أنَّ، بفضل / بفضل أنَّ، ذلكَ / ذلكَ أنَّ ... ) .

وأذهبُ إلى أنَّ قولَ الحقِّ - عَزَّتْ قدْرَتُهُ -: {وأنَّ المَساجِدَ للهِ فلا تدْعوا مَعَ اللهِ أحَدًا} (الجن 18:72) ، ليسَ مِنْ قبيل الابتِداءِ بـ (أنَّ) ، إنَّما هو على تأويل الأداةِ المُركبةِ التي بها نقولُ. إذ إنَّ الجزءَ الأوَّلَ مِنها مَحْذوفٌ، ويُمْكِنُ أنْ نُقدِّرَهُ على النحوِ: (لأنَّ) ، وهو صنيعُ"الخليل" (سيبويه، 1991: 3/ 126- 127) ، أو (بسببِ أنَّ) ، أو (أجْلَ أنَّ) ، وهكذا [1] .

وإنصافًا للسلفِ - يَرْحَمُهُم اللهُ - نقولُ: إنَّنا لا نَعْدمُ أنْ نجدَ نصوصًا في كتبهِم تدُلُّ على أنَّهُم لامَسوا الوظيفة الربطيَّة أو الوصليَّة التي تقومُ بها (أنَّ) في التركيبِ. ويُمْكِنُ أنْ يُستشَفَّ ذلكَ مِنْ خلال تصريح"سيبويهِ"بأنَّ (أنَّ) » اسم، وما عملت فيهِ صلة لها « (سيبويه،1991:3/ 119) . ولا أشكُّ في أنَّهُ ما قالَ هذا إلا وفي ذهنِهِ مُقارنة (أنَّ) بالاسم المَوْصول، وهذه المقارنة هي التي دَفعتهُ إلى أنْ يَصِفَ (أنَّ) بأنَّها اسمٌ، إذ إنَّهُم يَعُدّونَ المَوْصولَ اسمًا ذا مَوقع إعرابيٍّ. وفي هذا تفسيرٌ لإصرارِهِ بأنَّ (أنَّ) قد تكونُ في موضِع اسم منصوب، كما في قولِكَ: (قد عرفتُ أنَّكَ مُنطلِقٌ) ، أو في موضِع اسم مرفوع كأنْ تقولَ: (بَلَغَني أنَّكَ مُنطلِقٌ) (سيبويه،1991:3/ 119- 120) [2] . وقد عَدَّ (أنَّ) وَحْدَها في قول مَوْلانا - تبارَكَ -: {وإذ يَعِدُكُمْ اللهُ إحْدى الطائفتيْن أنَّها لَكُمْ} (الأنفال 7:8) » مُبْدَلة مِن"إحدى الطائفتين"، موضوعة في مكانِها، كأنَّكَ قلتَ: وإذ يَعِدُكُم اللهُ أنَّ إحدى الطائفتين لكم، كما

(1) (يَكونُ معنى الآيةِ حسبَ هذا:"بسببِ أنَّ المساجدَ للهِ فلا تدعوا مع اللهِ أحدًا"، ذلكَ أنَّ أهلَ الكتابِ يُشرِكونَ في صَلاتِهِم في البِيَعِ والكنائسِ، فأمَرَ اللهُ المسلمينَ بالإخلاصِ والتوحيدِ(الرازي، 2000: 30/ 143) .

(2) (( ويبدو أنَّ"ابنَ السراج"(1999، 1/ 265 - 266) قد تابَعَهُ في هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت