الصفحة 6 من 36

يستطيعوا أنْ يَتَفَلَّتوا كلَّ التفلّت مِنْ إسار الرأي الأوَّل القائل بإفادةِ كلٍّ للتوكيد، إذ سرعان ما يعودون إليه فيُسوّونَ بينهما من جهة المعنى، عبر التصريح بدلالة (أنَّ) على التوكيد، وذلك حينما ينتقلون إلى الجانب التطبيقيّ الذي يعالجون فيه بعض الأمثلة العمليّة والشواهد النحويّة (الجرجانيّ، 1982:1/ 472 و 482) !

ولم يتوقَّف الأمر عند ذيّالِكَ الحدِّ، بل إنَّ بعضَ السلفِ قد استشكل كَوْنَ (أنَّ) مفيدةً للتوكيد كـ (إِنَّ) ،» لأنَّك لو صرَّحْتَ بالمصدر المنسبك منها لم يُفِدْ توكيدًا « (المرادي،1992:403) . ورغم وجاهة هذا الرأي لاحتكامه إلى معيار لغويّ يعتمد طريقة الرَّوْز التركيبيّ الإحلاليّ، إلا أنَّ"المرادي" (1992:403 و: الزركشي،1972:4/ 230) رَفَضَهُ دونَ أنْ يُناقشَهُ قائلًا:» وليس هذا الإشكال بشيء «.

وقد يُؤْنِسُ المقامَ أنْ نذكر أنَّ"أبا حيّان الأندلسيّ" (الأندلسيّ، 1987: 2/ 128) عندما تعرَّضَ لـ (إنَّ) ، ذكر ما هو مقتنع به مِنْ كونها للتوكيد:» فـ (إنَّ) للتوكيد، ولذلك أُجيبَ بها القسم «. بينما نجده حينَ يذكر (أنَّ) ، يورِدُ ما يُمكِنُ أنْ يُمَثّلَ قناعة الآخرين لا قناعته:» و (أنَّ) المفتوحة قالوا معناها التوكيد « (الأندلسيّ، 1987: 2/ 128) ، فإيراده معنى التوكيد الذي لـ (أنَّ) بصيغة (قالوا) يشير دونَ ريبٍ إلى أنَّه يمتلك اعتراضًا عليه. ويترجَّحُ لدينا القولُ بوجود هذا الاعتراض عند"أبي حيّان"، وأنَّ هذا الاعتراضَ كانَ مُتَمَثّلًا في ما رفضه"المرادي"آنِفًا، حينما نقرأ نصّا للصبّان ... (1970:1/ 270) يردُّ فيه صراحة على أبي حيّان دافِعًا رأيَه:» ولا يُنافي كون المفتوحة للتوكيد أنَّها بمعنى المصدر وهو لا يُفيدُ التوكيدَ، لأنَّ كون الشيء بمعنى الشيء لا يلزم أنْ يُساويَهُ في كلِّ ما يُفيدُهُ، فاندفع ما لأبي حيان «. والحقُّ أنَّ رأيَ"الصبّان"هو الرأيُ المرجوحُ، ذاك أنَّ التسوية بين (أنَّ) وما بعدها مِنْ جهة، والمصدر مِنْ جهة أخرى، ليست تسوية دلاليَّة حتى يَصِحَّ الرأي الذي جاء بِهِ، إنَّما هي تسوية تنتمي إلى المستوى التركيبيِّ من اللغة ليس غير. بطريقةٍ أخرى: إنَّ القول بأنَّ"كون الشيء بمعنى الشيء لا يلزم أنْ يساويَهُ في كلِّ ما يُفيدُهُ"صحيحٌ، ولكنَّه لا ينطبقُ على ما نحن بإزائه من قضيَّة.

لقد تأسَّسَ على الرأي الشائع المتقدِّم ذِكرُهُ القائل بأنَّ (أنَّ) تفيدُ التوكيدَ، أنْ اشترط السلفُ أنْ تُقرنَ (أنَّ) بما يَدُلُّ على"التقرير"، وقابلوا بينها وبيْنَ (أنْ) المخففة فقالوا:» اعلم ... أنَّ المشدَّدة تفيد التوكيد، والمخففة لا تفيده. وإذا كانَ كذلك وجبَ أنْ تقرنَ المشدَّدَة بما كانَ تقريرًا، والمخففة بما كانَ شكًا « (الجرجانيّ،1982: 1/ 482) . وهذا مُشعِرٌ بأنَّ التوكيدَ في الجملةِ المنطويةِ على (أنَّ) ... - كما يَرَوْنَهُ - إنَّما هو توكيدان، توكيدٌ يُستفادُ مِنْ (أنَّ) نفسِها، بينما الآخَرُ مفهومٌ مِنْ ألفاظٍ تقترنُ بها (أنَّ) . يقولُ"عبّاس حسن" (1973:1/ 644) مؤكدًا هذا الفهمَ:» وهي مع اسمِها وخبرِها تؤوَّلُ بمصدرٍ معمول لعامل محتاج لهذا المصدر، فمن الواجبِ أنْ يكونَ الفعلُ وغيرُهُ مِمّا هي معمولة له مطابقًا لها في المعنى، بأنْ يكونَ من الألفاظِ الدالةِ على العلمِ الثابتِ واليقين، لكيلا يقعَ التعارُضُ والتناقضُ بينهما (أي بينَ ما يَدُلُّ عليهِ العاملُ، وما يَدُلُّ عليهِ المعمولُ) «.

أظُنُّ أنَّ هذا الرأيَ يجري على معكوس ما عليه اللغة في سيرورتها العمليّة ? كما أفهمُها -، إذ إنَّ نفسي ميّالة إلى عدِّ دلالة التوكيد طارئة على (أنَّ) ، بل مفروضة عليها من"الخارج". بمعنى أنَّ هذه الدلالة قد داخلتها أو لامَسَتها - إنْ جاز التعبير - بتأثير بعض العناصر اللغوية المجاورة لها في سياق الكلم. فلقد استقرَّ في أذهانِ النحويّينَ أنَّ (أنَّ) للتوكيد، وذلك في الحقيقة مُسَبَّبٌ مِنْ أنَّها كثيرًا ما تقترن بل كثيرًا ما تسْبَقُ في السلسلة الكلامية بما هو دالٌّ أصلًا على التوكيد أو التحقيق أو الاعتقاد أو اليقين أو الثبات. أيْ أنَّ كثرة مُلازَمةِ (أنَّ) لألفاظٍ دالةٍ على التوكيد أو نحوه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت