الصفحة 14 من 36

وقد يَتصوَّرُ امرؤ رابِعٌ العلاقة بينَ مَوْتِ أمِّ الصديق والانشغال بقراءةِ الجريدةِ علاقة قائمة على"المناقضَةِ"، وسيرى هذا المرءُ حينذاكَ أنَّهُ مِنْ غيرِ الجائزِ أو مِنْ غيرِ اللائقِ حَسْبَ القوانين والأعرافِ الاجتماعيَّةِ، أنْ يَقومَ الإنسانُ بقراءةِ الجريدةِ وتصَفحِها في لحظاتِ الوفاةِ أو أوقاتِ الحزن، لأنَّ هذا التصرُّفَ بعيدٌ كلَّ البُعدِ عن خلُقِ الوفاءِ. ولهذا الفهمِ قد نستخدِمُ"رَغْمَ":

(4 ز) قرأتُ خَبَرًا في الجريدةِ رغم موتِ أمِّ صديقي أمسِ إثرَ مَرَضٍ عضالٍ.

ولكنْ من الممكِن، أيضًا، أنْ يَظنَّ شخصٌ أنَّ الخبرَ المقروءَ في الجريدةِ إنَّما هو خبرُ موتِ أمِّ الصديق نفسُهُ، وعلى هذا التقديرِ يَتعَيَّنُ استخدامُ الأداةِ"أنَّ":

(4 ح) قرَأتُ خَبَرًا في الجريدةِ أنَّ أمَّ صديقي ماتتْ أمسِ إثرَ مَرَضٍ عضالٍ.

صَفوَة المقال أنَّ بين الجملتين (4 أ) و (4 ب) انفصالًا تركيبيًا تامًّا، أدّى إلى انفصال دلاليٍّ تامٍّ. وهذا الانفصالُ كله لا يمكنُ رأبُهُ إلا بالربط. ومنه نستنتج أنَّ الغرضَ من الربط إنشاءُ علاقةٍ بين إسنادين - أو أكثر -، بوساطة وسيلةٍ لغويَّةٍ هي أداة الربطِ التي بِمُكْنَتِها تركيبُ جملةٍ واحدةٍ من جملتين - أو أكثر -، لأنَّ الإبقاءَ على الجملتين بوضعِهِما"التجاوريِّ"القائمِ على الرصفِ دونَ ربطٍ، مُفْضٍ إلى انفصال دلاليٍّ تامٍّ بينهما، مِمّا قد يؤدّي إلى لبس أو غموض في الدلالةِ متمثلٍ في التأرجُحِ بينَ معنى دلاليٍّ وآخرَ. وهذا نابعٌ، في الأساس، مِنْ أنّ الانفصالَ النحويَّ (= التركيبيّ) مُسْتتبعٌ حتمًا انفصالًا في الدلالة (حميدة،1997:135) . ذلكَ لأنَّ الأصلَ في المفرداتِ الارتباطُ والتركيبُ، بينما الأصلُ في الجمل الانفصالُ والاستِقلالُ (حميدة، 1997:141) . يقولُ العلامة"الرضيُّ":» الجملة في الأصل كلامٌ مستقِلٌّ، فإذا قصَدتَ جَعلها جُزءَ الكلامِ فلا بُدَّ مِنْ رابطةٍ تربطُها بالجزءِ الآخرِ « (الأستراباذي،1985:1/ 91) . معنى هذا أنَّك لو رُحْتَ تقيمُ علاقة ما بينَ وحدتين لغويَّتين الأصلُ فيهِما الانفصالُ والاستقلالُ، لا بُدَّ لكَ من اصطناع وسيلةٍ للربطِ واتخاذِ أداةٍ رابطةٍ. وقد ذكر"ابنُ يعيشَ"قانونًا في"التركيبِ"مهمًّا حينما ذهبَ للقول:» يمكنُ أنْ يُقالَ إِنَّ الشيئين إذا ترَكّبا حَدَثَ لهما بالتركيبِ معنى لا يكونُ في كلِّ واحدٍ من أفرادِ ذلك المركبِ « (ابن يعيش،1988:1/ 85) .

وكنتُ قد دَعَوْتُ في بحثٍ سابق إلى الاعتمادِ على مفهومِ الربطِ مِعْيارًا تركيبيًّا في تقسيمِ الجمل. فحيثما وُجِدَ الربطُ في بنيةٍ جُمْليَّةٍ، كانت الجملة"مُرَكَّبة" [1] ، وإذا خلَتْ الجملة من الربطِ عُدَّتْ"بسيطة" [2] . ويُفهَمُ مِنْ هذا أنَّ الجملة المركبة هي الجملة التي تتكوَّنُ مِنْ إسنادَيْن مَرْبوطَيْن فأكثر، وأمّا الجملة البسيطة فلا تحتوي إلا على إسنادٍ واحدٍ حسبُ (عكاشة، 2003: 298 - 299) .

وسنحاوِلُ فيما يأتي أنْ نروزَ نوعي الربطِ في العربيَّةِ، لنتبيَّنَ إلى أيّهما يُمْكِنُ أنْ نضُمَّ (أنَّ) .

(4 - 1 - 2)(أنَّ)ونوعا الربطِ في العربيَّةِ:

(1) (أو"جملة كبرى"(ابن هشام، 1985: 497) .

(2) (( أستثني مِنْ هذا حالة واحدة، هي مجيءُ الإسنادِ مُعترِضًا إسنادًا آخر، فعندئذٍ تتعدَّدُ الأسانيدُ ولا يَكونُ ثمة رابط، كقول اللهِ -سبحانه-: {وإنَّهُ لَقسَمٌ - لو تعْلَمونَ - عَظيمٌ} (الواقعة 76:56) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت