الصفحة 30 من 36

أيْ أنَّها تنطوي على"مَعنى فعليٍّ"هو: (انظرْ) أو (تنبَّهْ) (Wright ، 1933:284) (O'leary ،1969:272) [1] .

ولعلَّ من الطريفِ أنْ يتوصَّلَ النحويّونَ العربُ إلى إدراكِ معنى فعليٍّ في (إنَّ) وأختِها (أنَّ) ، ولكنْ لا مِنْ سبيل النظرِ اللغويِّ المُقارِن، بل لعلهُ مِنْ سبيل النظرِ الفلسفيِّ المُجرَّدِ أولًا، ثمَّ النظر اللغويِّ الوصفيِّ ثانِيًا. فقد اتفقَ الكوفيّونَ والبصريّونَ على أنَّ الاسمَ المَنصوبَ بعدَ"إنَّ وأخواتها"، إنَّما هو مَنصوبٌ بها لأنَّها فيها معنى الفعل (الأنباريّ، 1980: 1/ 176) [2] . غيرَ أنَّ البصريّينَ لا يَكتفونَ بالقول إنَّها أشبهَت الفعلَ، بل يَرَوْنَ أنَّها» قَوِيَتْ مُشابهتُها للفعل، لأنَّها أشبَهَتهُ لفظًا ومَعنى « (الأنباريّ،1980:1/ 177) . وساقَ البصريّونَ خمسة أوجُهٍ للمُشابَهَةِ بينَ"إنَّ وأخواتِها"والفعل: الأول أنَّها على وزن الفعل، والثاني أنَّها مبنيَّة على الفتح كما أنَّ الفعلَ الماضيَ مَبْنِيٌّ على الفتح، والثالث أنَّها تقتضي الاسمَ كما أنَّ الفعلَ يَقتضيهِ، والرابع أنَّها تدخُلُها نونُ الوقايةِ نحوَ: (إنَّني) و (أنَّني) كما تدخُلُ على الفعل نحوَ: (أعطاني) و (أكرَمَني) ، والخامس أنَّ فيها معنى الفعل: فمعنى (إنَّ) و (أنَّ) حَققتُ، ومعنى (كأنَّ) شبَّهْتُ، ومعنى (لكنَّ) استدرَكْتُ، ومعنى (ليتَ) تَمَنَّيْتُ، ومعنى (لعلَّ) ترَجَّيْتُ (الأنباريّ، 1980:1/ 178) .

(4 - 2 - 2) الإطارُ الدلاليُّ للأفعال المصاحبة لـ(أنَّ):

أشرنا سابقًا (في البند 4 - 1 - 2) إلى أنَّ"فاضل السامرائيّ" (2002:1/ 268 - 273) يلتقي في رأيه مع ما نذهب إليهِ مِنْ أنَّ الوظيفة الرئيسة التي مِنْ أجلِها اجتُلِبَتْ (أنَّ) إلى الجملة إنَّما هي تركيبيَّة، وقد عبَّرَ عن ذلك بقالةٍ لبعض النحويّين:» إنَّ أهمَّ وظيفةٍ لها أنَّها توقِعُ الجملة موقعَ المفردِ، فتهيئها لتكونَ فاعلة ومفعولة ومبتدأ ومجرورة ونحو ذلك «.

ولكنَّنا إلى هذا القدر نلتقي معه، وبعد ذلك نفترقُ حينما يُقرِّرُ أنَّ» (أنَّ) تحول المحسوس إلى معقول، والمتشخص إلى ذهني «. وقد استند في تقريره هذا على أنَّ (أنَّ) من الحروفِ المصدريَّة التي تجعلُ ما بعدها في حكم المصدر، والمصدر معنى ذهنيّ غير متشخص،» فـ (أنَّ) على هذا تجعلُ الأمرَ معنويًّا ذهنيًّا «. أقولُ: إنَّ الأمرَ جارٍ على معكوسِهِ تمامًا في اللغةِ، فـ (أنَّ) لا تحوّل المحسوس المتشخّص إلى معقول ذهنيٍّ على ما قالَ، بل هي داخلة أصلًا على تراكيبَ تشتمل على أفعال مخصوصة ذات طبيعة دلاليَّة مُعيَّنة، منها أفعال تومئ إلى دلالة المعقول الذهنيّ، أو ما يمكن أن نُسمِّيَهُ"أفعالَ التصور الذهنيّ". يُفهَمُ مِنْ هذا أنَّها تدخل الجمل لتربط بين تركيبين، بحيث تكون تالية أفعالًا يُحيلُ بعضُها إلى دلالات ذهنيَّة مجردة معقولة. مؤدّى القول عندي أنَّ دلالة الذهني المعقول، التي بها يقول، سابقة دخولَ (أنَّ) التراكيبَ، فالأمر لا تحويلَ فيه ولا تغيير.

وإذا ما حاولنا أنْ نضعَ تصوُّرًا للإطار الدلاليِّ الذي ينتظم مجموعة الأفعال التي تسمح لها اللغة بأنْ تقعَ قبلَ (أنَّ) ، فإنَّنا واجدون في الحقيقة أنْ ليست كلُّ الأفعال صالحة لذلك، إذ لا يُقال: (*أعطيتُ

(1) (وانظر:(بكر، 1969: 48) و (قوجمان، 1970: 172) و (بعلبكي،1999: 243) و (ياقوت، 1984: 172 - 173) .ويَذكر"عمايرة" (1993) أنَّ (hinn?) في العبريَّة تعني"حقًّا"أو"بالتأكيد".

(2) (( ولكنَّهُم بعدَ ذلكَ يَختلِفونَ في سببِ رفعِ الخبرِ، فيقولُ البصريّونَ إنَّ الفعلَ له مَرفوعٌ ومَنصوبٌ، وكذلك هذه الأحرف، أمّا الكوفيّونَ فيقولونَ إنَّ الخبرَ مَرْفوعٌ لأنه كانَ كذلكَ قبلَ دُخولِ هذه الأدَواتِ(الأنباريّ،1980: 1/ 176 - 178) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت