الصفحة 31 من 36

أنَّ زيدًا درهم) (الأستراباذي،1985:2/ 286) ، وهو الأمر المبيَّنُ سابقًا في البند (4 - 1 - 4) . بل إنَّ الأفعالَ المسموح لها بذلك، ترتدُّ - فيما آلتَ إليه حال اللغة - إلى مجموعتين: الأولى هي مجموعة أفعال الاتصال والتبليغ: (أخبرَ أنَّ - ذكرَ أنَّ - حدَّثَ أنَّ - أفادَ أنَّ - سمعَ أنَّ - نبَّأ أنَّ - زعمَ أنَّ - بشَّرَ أنَّ - روى أنَّ - أبْلَغَ أنَّ - بلَّغَ أنَّ - بَلَغَ أنَّ - أضافَ أنَّ - ادَّعى أنَّ - أوضحَ أنَّ - أجابَ أنَّ - حكى أنَّ - أعلنَ أنَّ - صرَّحَ أنَّ) . والثانية هي مجموعة أفعال النفس الباطنة: (حسِبَ أنَّ - عَلِمَ أنَّ - ظنَّ أنَّ - شعرَ أنَّ - عرف أنَّ - أدركَ أنَّ - دَرى أنَّ - عنى أنَّ - قَصَدَ أنَّ - أيْقنَ أنَّ - شكَّ أنَّ - توَهَّمَ أنَّ - أنكَرَ أنَّ - صَدَّقَ أنَّ - آمَنَ أنَّ - فَهِمَ أنَّ - افترَضَ أنَّ - تأكَّدَ أنَّ - ثبتَ أنَّ) .

ولذلك فإنَّ اللغة لا تجيزُ أنْ تقولَ: (*أرى أنَّ محمَّدًا واقفٌ) وفي مُرادِكَ أنَّه واقفٌ أمامك، لأنَّ الفعلَ (رأى) حينئذٍ ليس منتميًا إلى أيٍّ مِن المجموعتين االسابقتين: أفعال الاتصال والتبليغ، وأفعال النفس الباطنة، وما عليك بغية تصحيح التركيب سوى أن تُسقِطَ منه (أنَّ) ليصيرَ: (أرى محمَّدًا واقفًا) .

ولكنَّ التركيبَ السابقَ المرفوضَ يغدو مُصَحَّحًا إنْ جاءَ - مثلًا - جوابًا لسؤال سائل: (ما رأيك؟ ماذا سيفعل محمد؟) ، لأنَّ هذا ينقلُ الفعلَ (رأى) من الدلالة على النظر والرؤية البصريَّة، إلى الدلالة على الرأي الذي هو من أفعال النفس الباطنة: أي أظنُّ أنَّه سيقف.

والفرقُ الواضحُ بين دلالتي (أرى أنَّ محمَّدًا واقفٌ) و (أرى محمَّدًا واقفًا) ، ليس مردُّهُ إلى وجودِ (أنَّ) في الأولى وخلوّ الثانية منها كما يُفهَمُ من كلام"السامرائي" (2002:1/ 270) ، بل يُعزى إلى السمة المعجميَّة للفعل (رأى) ذاته، وطبيعته الدلاليَّة التي تُظهِرُهُ متأرجحًا بين دلالتي الرأي الذهني النفسي والرؤية البصريَّة المتشخصة. ودليلُ صحَّةِ هذا التوجُّهِ في الفهمِ أنَّنا نعثرُ على جملٍ أخرى تحوي أفعالًا ليس لها السمة التي للفعل (رأى) ، ولا نلحظُ أيَّ فرق من الناحيةِ الدلاليَّةِ بين الإبقاء على (أنَّ) بعد تلك الأفعال في تلك الجمل، وإسقاطها منها: (ظننتُ المكتبة مفتوحة) (ظننتُ أنَّ المكتبة مفتوحة) ، (حسبنا المشكلة بينهما مُعقدة) (حسبنا أنَّ المشكلة بينهما مُعقدة) .

وقد ضَرَبَ"السامرائيّ"مثالًا آخر على فرقٍ مزعومٍ تحدِثهُ (أنَّ) في دلالةِ التراكيب،» وأنت تلاحظ الفرق جليًّا بين قولنا (سمعتك تقولُ الشعرَ) و (سمعتُ أنَّكَ تقولُ الشعرَ) . ففي العبارةِ الأولى أنت سمعته هو يقولُ الشعرَ، وأمّا في الثانيةِ فهو قد سمعَ هذا الأمرَ عنكَ ولم يسمعْكَ تقولُهُ « (2002:1/ 270) . أقولُ: إنَّ تغيُّرَ وجهةِ الكلامِ في هاتين الجملتين ليس مُسبَّبًا - مرَّة ثانية - مِنْ (أنَّ) ذِكْرًا وإسقاطًا، بل إنَّهما مختلفتانِ اختلافًا دلاليًّا كاملًا لأنَّ أولاهما متأتية مِنْ بنيةٍ مُضمرة مفترقةٍ عن تلك التي ترتدُّ إليها الثانية. فجملة (سمعتك تقولُ الشعرَ) لا يتسنّى لنا فهم بنيتها إلا على افتراض"الحال"، إذ هي على إيقاع قولك: (سمعتك وأنت تقولُ الشعرَ) :

(50 أ) * سمعتك. أنت تقولُ الشعرَ.

(50 ب) سمعتك وأنت تقولُ الشعرَ.

(50 ج) سمعتك تقولُ الشعرَ.

أمّا الجملة الأخرى (سمعتُ أنَّكَ تقولُ الشعرَ) فمباينة لما سبقَ مُبايَنة لا تسمَحُ للذهن بأنْ ينصرِفَ إلى أنَّ ثمَّة علاقة قائمة بينها وبين سابقتها، إذ لا أثرَ فيها ملموحًا لمعنى الحاليَّةِ:

(51 أ) * سمعتُ"أنتَ تقولُ الشعرَ".

(51 ب) سمعتُ أنَّكَ تقولُ الشعرَ.

يستبينُ لك مِنْ هذا أنَّ اختلاف كلٍّ في البنيةِ المضمرة يجعلُ من المستحيل المقاربة بينهما فضلًا عن المقارنة، وبذا تبطلُ مسؤوليَّة (أنَّ) في تغيير الدلالة بين الجملتين: (سمعتك تقولُ الشعرَ) و (سمعتُ أنَّكَ تقولُ الشعرَ) ، فهذه الأخيرة مِنْ بنيةٍ مغايرةٍ لبنيةِ تلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت