الصفحة 12 من 36

وأجْلَ ما سبقَ كلهِ، نَظنُّ أنْ ليسَ من الصوابِ أنْ يُقالَ بإطلاقٍ بأنَّ اقتران (أنَّ) بالألفاظِ الدالةِ على العلم الثابتِ واليقين» هو ما جرت عليهِ الأساليبُ الفصيحة، حيث يتقدَّمُها ما يَدُلُّ على اليقين والقطع، مثل: اعتقدتُ، علمتُ، وثقتُ، تيقنتُ، اعتقادي ... ولا يَقعُ قبلها شيءٌ من ألفاظِ الطمع -التوقع- والإشفاق، والرجاء، مثل: أردتُ، اشتهيتُ، وددتُ « (حسن،1973:1/ 644) . فهذا مدفوعٌ بطائفةِ الأمثلةِ والأدِلَّةِ السابقةِ.

(4) التفسير اللغويّ لدخول (أنَّ) التراكيبَ العربية:

يتلخّصُ على المباحثِ السابقةِ أنْ يُقالَ: إنَّ الأداة (أنَّ) ليس لها المحتوى الدلاليُّ الذي ينسبه لها النحويّونَ، أعني التوكيد. وممّا يَدْفعُ المرءَ، بعدُ، إلى الاستغراب أنَّ أهلَ العربيَّةِ مِن طلابها والمشتغلين بدَرْسِها في أيّامنا، على التمسكِ والاعتقادِ بأنَّ (أنَّ) للتوكيد، ولكنَّك إنْ رُحْتَ تسألُ أحدَهم: كيف عَرَفتَ أنّها للتوكيدِ، أو كيف تثبت للآخرين بأنّها كذلك؟ استحارَ في الجوابِ ولم يَدْرِ ما يقول. وليس لهذا عندي سوى تفسيرٍ واحدٍ، هو أنَّ تعلقَ (أنَّ) بالتوكيد في أذهانِنا ليس متأدِّيًا من التركيبِ الجمليِّ نفسِهِ، بل هو مفروضٌ علينا مِنْ خارجهِ، وَفدَ إلينا بتأثير قاعدةِ النحويّينَ التي حُفظْناها فحَفِظْناها، فكانَ أنْ سيطرت على الأفهام دونَ أنْ نحاولَ إنعامَ النظرِ فيها. وهذا يعني أنَّ أحدَنا لا يُقبلُ على الجملةِ المشتملةِ على (أنَّ) إلا وهو مأسورٌ بالقاعدةِ التي قرَّرَها لهُ النحويّونَ سلفًا.

والحقُّ أنَّ المسألة تنطوي على ملحظٍ تعليميٍّ نابع من الخبرةِ العمليَّةِ في مجال تعليم العربيَّةِ للناطقينَ بغيرها على وجه الخصوص، أحسبُ أنَّهُ لا يَقِلُّ شأنًا عن الأدلَّةِ المسوقةِ ماضِيًا، فقد غدا من الثابتِ لدينا أنَّ الاكتفاءَ بالقول: إنَّ" (أنَّ) للتوكيدِ وتدخلُ على الجملةِ الاسميَّةِ فتنصبُ المبتدأ ويُسَمّى اسمَها وترفعُ الخبرَ ويُسَمّى خبرَها"، لايَجعلُ المتعلمَ يعي هذه الظاهرة اللغويَّة، ظاهرة دخول (أنَّ) التراكيبَ العربيَّة. إذ إنَّهُ قولٌ موغِلٌ في الإبهام، مُستغلقٌ على الأفهام، والتوقفُ عنده ليس يُمَكنُ المتعلمَ أنْ يُوَظفَ هذه الأداة توظيفًا صحيحًا، بل إنَّ الاقتصارَ عليهِ [1] مسؤولٌ عن اجتراح الناطقين بغيرِ العربيَّةِ لطائفةٍ من الأخطاء الكتابيَّةِ فضلا عن الشفويَّةِ.

وإذا كانت نفسي لا تشتهي إسنادَ دلالةِ التوكيدِ لـ (أنَّ) ، فلا يَفهمَنَّ امرؤ بأنني أنفي عنها كلَّ دلالةٍ. إنما أهدفُ لأبَيِّنَ أنَّ شأنَ هذه الأداةِ في الجملةِ العربيَّةِ يَتداخلُ فيهِ ما هو تركيبيٌّ بما هو دلاليٌّ، على نحو يَعِزُّ أنْ تجدَ لهُ قسيمًا بينَ الأدوات. وتاليًا نُقدِّمُ تصوُّرنا الذي نحاولُ فيهِ أنْ نتلمَّسَ الجوانبَ التركيبيَّة والدلاليَّة المختلفة لدخول (أنَّ) الجملة العربيَّة.

(4 - 1) الجانبُ التركيبيُّ:

(4 - 1 - 1) (أنَّ) وأدَواتُ الربطِ في اللغةِ العربيَّةِ:

يُخيَّلُ للمرءِ في كثيرٍ من الأحيان أنَّ دخولَ (أنَّ) التركيبَ وبَدْهَها الإسنادَ، كانَ في مبتدأ الأمر لحاجةٍ تركيبيَّةٍ حسبُ، إلا أنَّها بَدَتْ حاجَة مُلِحَّة في مراحلَ متقدِّمةٍ من رحلةِ التطوُّرِ اللغويِّ الذي مرَّتْ بهِ العربيَّة، ولا تزالُ على هداه تسيرُ دونَ أنْ تتخلفَ.

اقرأ الجملتين الآتيتين:

(1) (وهو الأمرُ الذي نجده شاخِصًا في كتبِ تعليمِ العربيَّةِ، سواء كانت للناطقين بها أو للناطقين بغيرها. انظر أمثالًا:(الحامد، 1991: 196 - 197) ، (عبد الرحيم، 1998:3/ 186) ، (الموسى، 1995: 168) ، (يونس، 1999: 74) ، (العيسى، 2000: 2/ 298) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت