لأنَّ المعنى عندئذٍ لا يخرج عن"تمنّي وقوع الحدث في الماضي". ونُمَثلُ لهذا بما هو واردٌ في الحديث:» ... فأدركتُ رجلا فقالَ:"لا إلهَ إلا الله"فطَعَنتهُ، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبيِّ - صلى الله عليهِ وسلم -، فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: قالَ"لا إله إلا الله"وقتلته؟ قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ إنَّما قالها خوفًا من السلاح، قال: أفلا شققتَ عن قلبه حتى تعْلمَ أقالها أم لا. فما زالَ يكررها عليَّ حتى تمنَّيْتُ أنّي أسلمْتُ يومئذٍ [1] ... « (مسلم:1994، كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعدَ أنْ قالَ"لا إله إلا الله"، 1/ 344) .
وإذا أخذنا بالرأي الذاهبِ إلى أنَّ (كأنَّ) حرفٌ مركبٌ، أيْ من الكافِ و (أنَّ) ، وهو كذلك عند أكثرهم (ابن هشام، 1985:252) ، فينبغي أنْ نعيَ أنَّ الدلالة المستقاة من هذه الأداةِ وما يتبعها قد تكونُ شكًا، وذلك في حال» كانَ خبرها مشتقا من الفعل « (الزجاجيّ، 1984:29) .
ولقد نَطمَئِنُّ - هَوْنًا ما - إلى ما نذهبُ إليهِ، مِنْ أنَّ (أنَّ) لا تدلُّ بنيتها الشكليّة على التوكيدِ، عندما نستذكرُ الأفعالَ المنفيَّة التي تسبقُ الأداة (أنَّ) في بعض الجمل. إذ يُشَكلُ النفيُ رائزًا مهمًّا في هذا الإطارِ، نَشْدُدُ بهِ أزْرَ ما أتينا على ذِكرِهِ مِنْ أدِلةٍ آنفًا. فأنتَ حينَ تقولُ: (لَمْ أعرفْ أنَّ المرأة التي قابلناها هي أمُّكَ) ، لا تقصد إلى توكيد شيء، وماذا في هذهِ الجملةِ ليؤكَّدَ؟ لا يمكن القول إنَّكَ تؤكد عدم معرفتك، لأجل أنَّ (أنَّ) تؤكد الجملة التي تتصَدَّرُها، أي الكلام الذي يعقبها لا الذي يسبقها. كما أنّك - دونَ شكٍّ - لا تسعى إلى توكيدِ أنَّ المرأة التي قابلتموها إنّما هي أمُّهُ، كلُّ مُرادِكَ من الجملةِ أنْ تعبِّرَ عن عدم معرفتك لتلك الحقيقة في تلك اللحظة. وإذا صحَّ أنَّكَ لا تؤكد عدم المعرفة ههنا، ولا المعرفة، دلَّ هذا على أنَّ الجملة خِلْوٌ تمامًا من أيِّ توكيدٍ.
وما قيلَ في النفي يُمْكِنُ أنْ يُقالُ بشأن الاستفهام، فلا يعرِضُ لخاطر أيٍّ مِنّا أنَّ الجملة: ... (هل سَمِعْتَ أنَّ زينبَ تزَوَّجّتْ خالدًا؟) تنطوي على ما يُفيدُ التوكيد من أيِّ وجهةٍ. خاصَّة إذا كانَ السائلُ يستفهم استفهامًا حقيقيّا، غيرَ مشوبٍ بدلالةٍ تخرجه عن قوةِ الكلام المعهودةِ للاستفهام، القريبةِ من الأذهان، التي هي طلبُ العلمِ بشيءٍ لم يكنْ معلومًا مِنْ قبلُ. أقول: إذا لم يَخرجْ الاستفهام في هذه الجملةِ عن المعنى الأصليِّ إلى معان أخرى كالتقرير أو الإنكار أو التعجُّب ... إلخ، فإنَّ أحدًا لا يستطيع أنْ يزعمَ أنَّ في الجملةِ توكيدًا، ذاكَ أنَّهُ ليس بمقدورِ المرءِ أنْ يُؤكدَ شيئًا وهو في الوقتِ نفسِهِ يَطلبُ العلمَ بهِ من الآخرين.
ولعلَّ مِمّا يُقوّي الاعتِقادَ بأنْ لا توكيد في (أنَّ) ، أنَّ الكلمات التي توازيها في اللغاتِ الأخرى ليست للتوكيدِ. فـ (that) مثلًا، وهي المقابلُ الإنجليزيُّ لـ (أنَّ) (Abboud ،1983:1/428) (البطل، 1995:1/ 248) ، ليس فيها على الإطلاق أيُّ قدرٍ من التوكيدِ عندَ أهلِها، وذلكَ في مثل قولِهم (Ezzat،1984:2/839 - 845) :
أشعُرُ أنَّ الحياةَ جديرة بأنْ أحياها.
يمكنني أنْ أثبِتَ لهُ بسهولةٍ أنَّكَ قد كذبتَ.
لقد اعترفَ لها بأنَّه لم يكن يملك من أمره شيئًا.
(1) (وفي روايةٍ أخرى:"فما زال يكررها حتى تمنَّيْتُ أني لم أكنْ أسلمتُ قبلَ ذلك اليومِ"(البخاري، كتاب المغازي، باب بعث النبيِّ أسامة إلى الحرقات من جهينة، 5/ 119) .