كما لا يُستفادُ أيُّ قدْرٍ مِن التوكيدِ مِنْ (أنَّ) حينَ تُسْبَقُ بالفعل (يَحْلُمُ) ، كما في قول"حسّان بن ثابت" (ثابت،1973: 308) :
فلا تكُ كالوَسْنانِ يَحْلُمُ أنَّهُ ... بقرْيةِ كِسْرى أو بقرْيَةِ قيْصَرا
أستصفي من الأمثلةِ المتقدِّمةِ جميعِها أنَّ الأداةَ (أنَّ) ليس لها علوقٌ ببابِ التوكيدِ، إذ ترِدُ في سياقاتٍ لغويَّةٍ دالّةٍ على الإمكان والاحتمال دون التقرير واليقين (الجُمَل:3 أ - ز) ، فضلًا عن دلالةِ الظنِّ والشكِّ (الجُمَل:2 أ - ل) . هذا بالإضافةِ إلى أنَّها إنْ وَرَدَتْ في جملٍ يَشْعُرُ المتلقي معها بأنّه أمامَ دلالةٍ للتوكيد، فإنَّ هذا التوكيدَ مُستفادٌ من عناصرَ لغويَّةٍ أخرى سابقةٍ (أنَّ) في الكلام (الجمل:1 أ - ت) .
وقد يجمُلُ بنا أنْ نذكرَ مُرَجِّحًا آخرَ يُساعِفنا في إثباتِ كون (أنَّ) ليس يَتلبَّسُها التوكيدُ مِنْ ... أيِّ جانبٍ، يَمْثلُ ذاك المرجِّحُ في وقوع (أنَّ) في صدر جملةِ الشرطِ للأداةِ (لو) ، وهو كثيرٌ، كما في قول المولى - تنزَّهَ اسمُهُ: {ولو أنَّهمْ قالوا سَمِعْنا وأطَعْنا واسْمَعْ وانْظُرْنا لكانَ خَيْرًا لهُمْ وأقوَمَ} (النساء 46:4) . فإذا كانَ صحيحًا أنَّ (أنَّ) للتوكيدِ، تعارَضَ ذلك بالكليّةِ مع مفهومِ"امتناع الشرط"الذي يُقِرُّ بِهِ السلف [1] ، فكيف يمكننا أنْ نُثبتَ التوكيدَ لما هو ممتنعُ الحصول أصلًا؟ إنْ نحن قلنا بذلك نكُنْ قد جمعنا بين ضدَّيْن يقتضي وجودُ أحدِهِما ارتفاعَ الآخرِ بَداهة، وهذا محيلٌ منطقيّا. إذن، لا مَحالة أنَّهُ ليسَ بمُكنتِنا أنْ ندَّعِيَ - بأيِّ حال من الأحوال - أنَّ (أنَّ) في الآيةِ مُقترِنة بما هو دالٌّ على اليقين أو التقريرِ.
وأظنُّ أنَّ التوكيد يصبح أبعدَ ما يكونُ عن ذهن الناطق بالعربيّةِ حينما تسْبَقُ (لو أنَّ) ... بالفعل (يودّ) ، لأننا نكون هنا أمام تمنٍّ"مركب"، وهو واردٌ في التنزيل العزيز مرتين [2] . بل إنَّ استبعادَ التوكيدِ من (أنَّ) ، ليتعزّزُ في حال ورود (يودّ لو أنّ) بأكملِها في سياق الحديثِ عن أمنيةِ النفس يومَ القيامةِ: {يَوْمَ تجِدُ كلُّ نَفسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خيْرٍ مُحْضَرًا وَما عَمِلَتْ مِنْ سوءٍ توَدُّ لو أنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أمَدًا بَعيدًا} (آل عمران 30:3) ، أو في سياق الشرط: {وإنْ يَأتِ الأحْزابُ يَوَدّوا لَوْ أنَّهُمْ بادونَ في الأعرابِ} (الأحزاب 20:33) . وقد يُقَوّي عارضة الذي نقولُ، أنَّ"ابنَ هشامٍ"يذهبُ إلى أنَّ (لو) في {توَدُّ لو أنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أمَدًا بَعيدًا} » إنَّما دخلتْ على فعلٍ محذوفٍ مُقدَّرٍ بعد (لو) تقديره: (تود لو ثَبَتَ أنَّ بينها) « (ابن هشام،1985:351) . فلعَمري لو كانَ في (أنَّ) أيُّ قدرٍ من التوكيدِ، أكانَ ابنُ هشامٍ مُضطرًّا إلى أنْْ يُقدِّرَ قبلَ (أنَّ) فعلًا كـ (ثبت) فاقعَ الدلالةِ على التوكيد؟! وإذا قيلَ: إنَّ هذا» مِنْ بابِ توكيدِ اللفظِ بمُرادِفِهِ « (ابن هشام،1985:351) قلتُ: لا نُسَلِّمُ، لأنَّ هذا ليس بثابتٍ عندنا أصلًا، فهو قولٌ مُتَّكِئٌ على الرأي المفترَض الذي ننادي برفضِهِ، فهو محض افتراض مبنيٍّ على تحكُّمِ القاعدةِ التي نرفضُها ابتداءً.
وليست (لو) بدعًا من الأدوات فيما قيل، بل إننا نلفي الشيء ذاته مع (ليْتَ) . إذ قد نَجدُ الناطقَ اللغويَّ يورِدُ بعدها (أنَّ) لتؤولَ إلى (ليت أنَّ) ، رغم أنّ (ليت) » حرفُ تمنٍّ يتعلَّقُ بالمستحيل غالبًا « (ابن هشام، 1985: 375) . ومنه ما جاء في الحديثِ:» ... وسُئِلَ عن صوم يومٍ وإفطارِ يومين، قالَ: ليتَ أنَّ اللهَ قَوّانا لذلك ... « (مسلم:1994، كتاب الصيام، باب استحباب صيام ثلاثة أيّام من كلِّ شهر، 4/ 122) . والأداة (ليت) طبقًا لهذا الاستعمال تستدعي إلى ذهن المرء صورة للفعل (تمنّى) ، تليهِ فيها (أنَّ) للإشارةِ إلى معنى الاستحالةِ وعدم الإمكان، ولا غرو في هذا
(1) * لابنِ هشامٍ (1985:337 - 343) بحثٌ في غايةِ الدقَّةِ والإمتاعِ حولَ القولةِ المشهورةِ:"لو: حرف امتناعٍ لامتناعٍ".
(2) ** ذكر"Serra" (2000) أنَّ هذا وارد مرة واحدة.