د. عمر يوسف عكاشة
(1) تأسيس 1: النظرة السائدة لوظيفة (أنَّ) اللغويّة
من المعلوم أنَّ النظرية النحوية العربية تُسْنِدُ للأداة (أَنَّ) دَوْرًا دلاليّا يُطابِقُ الدور الذي تَنْهَضُ به (إِنَّ) في الجملة، وليس أدلّ على ذلك من قول"السهيليّ" (346:1984) :» ليس بين المكسورة والمفتوحة فرق في المعنى «. ويُفْصِحُ"المرادي" (1992:402 - 403) عن ذلك أكثر في قوله عن (أَنَّ) : إنها» حرف توكيد تنصب الاسم وترفع الخبر، مثل (إنَّ) المكسورة ... ونَصَّ النحويون على أنها تفيدُ التوكيد كـ (إنَّ) المكسورة «. وأجْلَ ذلك هُمْ لا يُجيزونَ أنْ يَلِيَ"إنَّ""أنَّ"... » لأنَّ المعنى واحد « (المبرد،1999: 1/ 605) .
وأَحْسبُ أنهم في هذا إنما يَنْطَلِقونَ مِنْ رأي آخر يُعَدُّ في الحقيقة لفرط شيوعه مسلَّمة من جملة مسلَّمات التفكير النحوي، ذاك أنهم ينظرون إلى المفتوحة الهمزة بوصفها فرع المكسورة ... » وهو مذهب سيبويه، والمبرد في"المقتضب"، وابن السراج في"الأصول". ولذلك قال هؤلاء في (إنَّ) وأخواتها: الأحرف الخمسة، ولم يعدّوا (أَنَّ) المفتوحة، لأنها فرع. وهو مذهب الفراء « (المرادي،1992: 403) .
بيد أنَّ المطابَقة التي عقدوها بين المكسورة والمفتوحة - وهي مطابَقة ترتدُّ إلى ... المستوى الدلالي - لم تَحُلْ دون أن يتوصَّلوا باقتدار مُعجِب إلى ملحظ تركيبيّ تنماز به (أَنَّ) من (إِنَّ) . فرغم أن المفتوحة الهمزة - عندهم - تفيد معنى التوكيد كالمكسورة، إلا أنَّ» المكسورةَ الجملةُ معها على استقلالها ... وليست (أنَّ) المفتوحة كذلك، بل تقلب معنى الجملة إلى الإفراد « (ابن يعيش، 1988: 8/ 59) . ولذلكَ انتهَوْا إلى قاعدةٍ سهلةِ التناوُل، يُمْكِنُ تلقينُها المُتعلِّمينَ بكلِّ يُسْرٍ، فمَيَّزوا بينَ مَوقعيهِما بأنَّ ما كانَ مظنَّة للجملةِ وقعتْ فيهِ المَكسورة، وما كانَ مَظنَّة للمُفردِ وَقعَتْ فيهِ المَفتوحة (ابن يعيش، 1988: 8/ 60) .
ثمة أمر ههنا يستوقف المرء ويثير في نفسه الحيرة، إذ ما الذي يدفع النحويين إلى التعامل مع الأداتين (إنَّ) و (أنَّ) بوصفهما"صورتين"لكلمة واحدة، ذواتي دلالة واحدة، رغم أنهم ينصّون على افتراقهما افتراقًا كاملًا من الوجهة التركيبية؟ فهُم قد قرَّروا أنّ المفتوحة مصدرية تكون مع جزئيها في تأويل المفرد، أما (إنَّ) فتؤكِّد معنى الجملة حَسْبُ (الأستراباذيّ،1985: 2/ 347) ، ولا تكون مع ما تدخل عليه في تأويل المفرد.
يُخَيَّلُ إليَّ أنَّهم فيما ذهبوا إليه مدفوعون بأثر من الشكل الكتابيِّ الذي للكلمتين (أيّوب،1957: 192) [1] ، ولا يَخْفى ما في هذا الشكل من تقارُب يَصِلُ في كثيرٍ من الأحيان إلى حدِّ
(1) (إنَّ رغبتَنا في إنصافِ السلفِ هي وحدَها الباعثُ على أنْ نُثبتَ هنا إعجابَنا بمَلحَظِهِم التركيبيِّ المتعلِّقِ بالأداةِ(أنَّ) ، دونَ مَلحَظِهِم الدلاليِّ. ولستُ أجدُ في هذا ذرَّةً مِنْ مثقالِ تعارضٍ أو تناقضٍ، ذلك أنَّ الإعجابَ يطالُ مستوى مباينًا للمستوى الذي يُطاوِلُهُ الرفضُ. بل إنَّ التعارُضَ مَلموحٌ في أصلِ كلامِهِم. فهم ينظرونَ إلى (أنَّ) على أنها صورةٌ فرعيَّةٌ لـ (إنَّ) ، حتى إنَّ بعضهم - فيما ذكرنا أعلاه - لم يذكرها مُطلقًا حين أخذ يُعدِّدُ"إنَّ وأخواتها"، وهذا لا يعني سوى أنَّ شدَّة التعالق والتماهي بين الأداتين- فيما يَرَوْنَ - اضطَرَّتْهُم إلى عدم ذكر (أنَّ) جنبًا مع (إنَّ) . ولكنْ بمَ يُعلِّلونَ للقولِ بهذه الفرعيَّة وعلامَ يستندون؟ إنْ لم يكن الجانب الشكليّ فماذا عساهُ يكونُ؟ إنَّ القولَ بهذه الشكليَّةِ ضرورةٌ في وقتٍ لا نجدُهُم فيه يُعلِّلونَ لتلك الفرعيَّةِ. ثمَّ نفاجأ بعد القول بالتماهي بين الأداتين - غير المُبرَّرِ ولا المُعَلَّل-، بأنّهم يقولونَ باختلافهما اختلافًا كلِّيًّا من الوجهة التركيبيَّة! كيف يستقيمُ لهم هذا؟ كيف نُسلِّمُ لهم بأنَّ (أنَّ) "صورة"لـ (إنَّ) ، والأولى على النقيضِ تمامًا من الثانيةِ تركيبيًّا؟ وإذا علمنا أنَّ الناحية الدلاليَّة مَنظورٌ إليها في الدرسِ اللغوي الحديثِ بوصفها إحدى مُعطيات التركيب، فكيفَ يَتَسنّى لنا إرجاعُ عنصرين لغويَّيْنِ مختلفين تركيبيا اختلافًا كاملًا إلى أصلٍ واحدٍ ومعنى واحدٍ، وهذا كلُّه في غيبةٍ مِنْ سندٍ أو دليلٍ أو توضيحٍ.