ج. أعْلَمَ الأستاذ الطلابَ أنَّ الامتحانَ سهلٌ [1] .
إنَّ ما سَبَقَ بيانُهُ يُجَلي لنا حقيقة أنَّ إدْخالَ (أنَّ) في الجملةِ ما كانَ إلا لغرضٍ تركيبيٍّ صرف، فهي وسيلة تركيبيَّة مِنْ بَيْن عِدةِ وسائلَ ترتكِزُ عليها اللغة للتخلص من محظورٍ تركيبيٍّ يمْثلُ في وقوع التركيبِ الإسناديِّ التامِّ مواقعَ المفرداتِ. وهذا يُسْلمُ إلى القول: إنَّ ما كانَ يُشكلُ مفعولين قبلَ دخول (أنَّ) ، ما يزالُ شاخِصًا مُحتضَنًا في التركيبِ بعدَ دخولِها كذلك. وأجْلَ هذا يَصْعُبُ كثيرًا على المرءِ بعدئذٍ أنْ يُسَلمَ بأنَّ في جملة: (علِمْنا أنَّ السيْفَ يَنفعُ حَيْث لا يَنفعُ الكلامُ) استِغناءً عن المفعولين بالمصدرِ المؤوَّل، أو أنَّ المصدرَ المؤولَ مِنْ (أنَّ) وما دَخلت عليهِ يَسُدُّ مَسَدَّ المفعولين [2] .
ثمَّ إنَّني أرى - مِنْ وجهةٍ ثانيةٍ - أنَّ القولَ: إنَّ (أنَّ) » تجعَلُ الكلامَ شأنًا وقصَّة وحديثًا، ألا ترى أنَّكَ إذا قلتَ: علِمْتُ أنَّكَ مُنطلِقٌ، فإنَّما هو: عَلِمْتُ انطِلاقكَ، فكأنَّكَ قلتَ: عَلِمْتُ الحديثَ « (ابن السراج، 1999:1/ 265) ، ليسَ صوابًا كله، ذلكَ أنَّها إنَّما يُؤتى بها لأنَّ ثمَّة كلامًا في الجملةِ يُشكِّلُ شأنًا أو قصَّة أو حديثًا (أو إسنادًا تامًّا) ، يُؤتى بها في صدرِهِ لربطِهِ بما قبلهُ. ولذلكَ فإنَّني أظنُّ أنَّ (أنَّ) لا تقلِبُ مَعْنى الجملةِ إلى الإفرادِ كما يَحْلو لبعض السلفِ أنْ يَقولَ (ابن يعيش، 1988:8/ 59) ، بل العكسُ تمامًا هو الصَّحيحُ، فـ (أنَّ) لا يُؤتى بها في التركيبِ - حَسْبَ الرأي الذي تتبنّاهُ الدِّراسة - إلا لوجودِ جملةٍ حالَّةٍ مَحَلَّ المُفردِ. وهذا مُفهِمٌ، مِنْ ثمَّ، بأنَّ دخولَ (أنَّ) في الجمل طارئٌ لاحقٌ، وأنَّ الإسنادَ الذي تتمَوْضَعُ قبلَهُ فتربطه إنَّما هو أسبَقُ مِنْها في الظهورِ اللغويِّ التاريخيِّ. ذلك لأنَّ سَرْدَ الجمل والإبقاءَ عليها متجاورة دونما ربطٍ، يُمَثلُ المرحلة اللغويَّة الأقدم، وفيها لم تكن الحاجة إلى التعبيرِ باللغةِ عنْ علاقاتٍ متطوِّرةٍ قد ظهَرَتْ بعدُ. ويُشيرُ"برجشتراسر" (1982:128) إلى هذا المعنى في قولِهِ:» الاستغناء عن ربطِ الجمل بعضها ببعض، مِنْ خصائص مبادئ اللغاتِ، ومِنْ بقايا حالِها الأوَّليَّةِ البسيطةِ «. وإذا كانَ غيابُ الربطِ وارتفاعُ الرابطِ أقدمَ، فإنَّ الربطَ الإدماجيَّ الذي يُخضِعُ إسنادًا لآخرَ أحدثُ من الربطِ التوفيقيِّ، الذي يُسَوّي بينَ الجمل دونَ أنْ تكونَ جملة ما جزءًا مِنْ جملةٍ أخرى (عكاشة، 2003:296 - 307) .
إذن، فإنَّ النَّمَطَ (ظنَنْتُ المُهَنْدِسَ سَيَحْضُرُ) أسْبَقُ في الظهورِ اللغوِيِّ التاريخيِّ من النمط الذي تدْخُلُهُ (أنَّ) : (ظَنَنْتُ أنَّ المُهَنْدِسَ سَيَحْضُرُ) . ويَظهَرُ لي أنَّ اللغة في المَرحلةِ الأقدمِ، مَرْحلةِ انعِدامِ الرابطِ، كانت تتكئُ على العلامةِ الإعرابيَّةِ بوصفِها واسِمًا يَسِمُ الإدْماجَ ويَرْسُمُ حُدودَهُ. كما يُمْكِنُ أنْ نُوَصِّفَ غيابَ الرابطِ في تلكَ المَرْحلةِ على النحوِ الآتي: يُعامِلُ الناطقُ بالعربيَّةِ الفعلَ الأوَّلَ المَسْموعَ على أنَّهُ هو الفعلُ الرئيسُ في الجملةِ، فما إنْ يَسْمَعْ الجملة (ظَنَنْتُ المُهَنْدِسَ سَيَحْضُرُ) حتى يَقومَ على نَحْوٍ فوْرِيٍّ تلقائيٍّ باستِقبال الفعل (ظنَّ) بوصفِهِ الفعلَ الرئيسَ، ومِنْ ثمَّ يُعامِلُ الفعلَ الآخَرَ أو الإسنادَ التاليَ - بصورةٍ مُتتابعةٍ - بحُسْبانِهِ هو الثانويَّ أو المُدْمَجَ. ومادامَ الناطِقُ قد عالَجَ الفعلَ المَسْموعَ أوَّلًا بصفتِهِ الفعلَ الرئيسَ، فإنَّ الحاجَة إلى الأداةِ المُدْمِجةِ تنتفي.
(4 - 2 - 1) تلمُّس دلالةِ (أنَّ) مِن شروط التركيب:
أشرْنا سابقًا إلى أنَّ السلفَ قد سَوَّوْا بينَ (إنَّ) و (أنَّ) من الناحيةِ الدلاليَّةِ، رَغمَ افتِراق الأداتين تركيبيًّا، فهُمْ يَقولونَ بدلالتِهما على التوكيدِ، ثمَّ يَنصّونَ على المواقِع أو السياقاتِ التركيبيّةِ
(1) (يَنبغي التنبُّهُ إلى أنَّ ما سُمِّيَ المَفعولَ الثانيَ والمَفعولَ الثالثَ يُشكِّلانِ إسنادًا تامًّا يَقومُ في الحقيقةِ بدَورِ مفعولٍ واحدٍ هو المفعولُ المُباشِرُ للفعلِ. ويُمْكِنُ أنْ نخرجَ من التركيبين(36 أ) و (49 ج) بملاحظةِ أنَّ (أنَّ) لا تقعُ إلا قبلَ المفعولِ المُباشِرِ.
(2) (( وهذا ما يَذهَبُ إليهِ - مثلًا -"عباس حسن"(1973: 2/ 43) .