الصفحة 29 من 36

التي تستأثِرُ بها كلُّ أداةٍ. أقولُ: إنَّ ما سيقَ سابقًا في البند (3) مِنْ أدِلةٍ تنفي دلالة (أنَّ) على التوكيدِ، وما ذكِرَ في البند (4 - 1 - 2) مِنْ أنَّ دُخولَ (أنَّ) التركيبَ كانَ لسببٍ تركيبيٍّ في الأساس، لا يَمْنعَان بحال مِنْ أنْ نَلتمِسَ لها دَوْرًا دلاليًّا ما تؤدّيهِ في الجملةِ. ولكنَّ هذه الدلالة يَنبغي أنْ لا تنبُعَ مِنْ خارِج التركيبِ، ولا تفرَضَ عليهِ فرضًا، بل إنَّ ورودَ (أنَّ) في الجملةِ بما يُصاحِبُهُ مِنْ شروطٍ تركيبيَّةٍ، هو المسؤولُ وَحْدَهُ عن الدلالةِ المستقاةِ مِنْ استِخدام (أنَّ) . بمعنى أنَّ الشروطَ التركيبيَّة التي يَفرِضُها دُخولُ (أنَّ) في التركيبِ، هي التي تُكسِبُ (أنَّ) دلالتها. يَترتبُ على هذا أنْ يُقالَ: إنَّ دلالتها إنَّما تولَّدَتْ بفعل تطبيق شرطٍ تركيبيٍّ ليسَ غير.

أقصِدُ لأقولَ: إنَّ الوظيفة الدلاليَّة التي تنهَضُ بها (أنَّ) ، متأتيَة من تحَكُّمِ هذهِ الأداةِ وتأثيرِها في البنيةِ التركيبيَّةِ للجملةِ التي تتصَدَّرُها. إذ إنَّ ذِكرَها مَطلَعَ الجملةِ مُستلزِمٌ بنية مُحَدَّدَة لهذه الجملةِ. بمعنى أنَّ مجيءَ (أنَّ) قبلَ إسنادٍ ما، يَفرِضُ عليهِ قيودًا شكليَّة، تتمثلُ في ضرورةِ أنْ يَلِيَها جملة ذاتُ إسنادٍ أصليٍّ (تامٍّ) فيما مَضى ذكرُهُ، وأنْ لا يَكونَ الفعلُ مِمّا يَبْدَهُ هذهِ الجملة، وهذا يُفهِمُ بأنَّ اللغة ترفضُ المتوالية: (أنَّ + فِعْل) . والأمْرُ ليسَ مُتوَقفًا عندَ هذين الشرطين، بل يَتجاوَزُهُما إلى التأثيرِ في بنيةِ المسندِ إليهِ الاسم أو الضمير، عن طريق إلزامِهِ حالة واحدة هي النصب.

إنَّ ما سَبَقَ يَحْدونا إلى القول: إنَّ (أنَّ) - وكذا (إنَّ) - تُحَدِّدُ شكلَ الجملةِ التي تليها، كما تُحَدِّدُ أيضًا شكلَ الكلمةِ التي تليها، فيَنبَغي أنْ يَلِيَها اسمٌ مَنصوبٌ أو ضميرٌ مُتصِلٌ (فشر،1985) . ومن الواجبِ أنْ نلفِتَ النظرَ هنا إلى أنَّ دُخولَ (أنَّ) الجملة يُشكِّلُ ظاهِرة فريدة في العربيَّةِ، إذ بمُقتضى هذا الدُّخول نَشهَدُ تحَوُّلًا في علامةِ المُسْندِ إليهِ الإعرابيَّةِ من الرفع إلى النصبِ. وكانَ المُتوَقعُ، جَرْيًا على ما ألِفناهُ في الكثيرِ الشائع من اللغةِ، أنْ يَتحلى المُسْندُ إليهِ بعلامةِ الرفع لا النصب، استِنادًا على ما نَراهُ مُتحَققًا في الفاعل ونائبهِ، والمبتدأ وخبرِهِ، واسم كانَ وأخواتها، وكادَ وأخواتها. ويَنبَغي - في رأيي - أنْ لا يُمَرَّ على هذا التغيُّرِ في علامةِ المُسندِ إليهِ الإعرابيَّةِ دونَ تدَبُّرٍ. فإضافة إلى ما تقومُ بهِ (أنَّ) مِنْ ربطٍ على المُستوى التركيبيِّ، فإنَّها بنصبها المُسْندَ إليه، تقومُ بلفتِ الانتِباهِ إليه، وتركيزِ الاهتمامِ عليهِ.

وحَسْبَ هذا، فإنَّ ما تقومُ بهِ (أنَّ) مِنْ نصبٍ للمُسْندِ إليهِ، على غيرِ ما هو مُعتادٌ مِنْ أمرِ اللغةِ في رفعِهِ، ليسَ لهُ سِوى تفسيرٍ واحدٍ، هو أنَّ هذه الأداة تقومُ من الوجهةِ الدلاليَّةِ بوظيفةِ إبْرازٍ أو إظهارٍ للمُسْندِ إليهِ بوصفِهِ مَوضوعَ الحديثِ وبؤرة الكلام (فشر،1985) . وبذا فإنَّني أدْعو إلى أنْ يُستبدَلَ بالعبارةِ الشائعةِ (أنَّ: أداة توكيد) عبارة (أنَّ: أداة إظهار أو إبراز) ، وذلك حينَ الحديثِ عن دورِها الدلاليِّ، وعبارة (أنَّ: أداة ربط إدماجيٍّ) حينَ الحديثِ عن وظيفتِها التركيبيَّةِ. ويكونُ الفرقُ، عندي، بينَ الإبرازِ والتوكيدِ، أنَّ الأوَّلَ إنَّما يَقعُ على الكلمةِ المُفردةِ، بينَما يَختصُّ الثاني بالجمل. وليست تنحَصِرُ وظيفة الإبرازِ في (أنَّ) وحدَها، بل إنَّها وظيفة كلِّ العناصرِ اللغويَّةِ التي تعمَلُ عَمَلَها، تلك المُسَمّاة تقليديًّا بـ (إنَّ وأخواتها) . وهذا هو ما عَنَيْناهُ بالضبطِ مِنْ قولنا في البندِ (4) : إنَّ شأنَ (أنَّ) يَتداخلُ فيهِ ما هو تركيبيٌّ بما هو دلاليٌّ.

ولنا في اللسانيّاتِ المقارِنَةِ خيْرُ عَون على إثباتِ الوظيفةِ الإبرازيَّةِ المَزعومةِ للأداةِ (أنَّ) . فإذا كنّا أصَبْنا فيما ألمَحْنا إليهِ مِنْ أنَّ (إنَّ) تستوي في هذه الوظيفةِ مَعَ (أنَّ) ، فإنَّهُ قد غدا مُسَلمًا بهِ في الدَّرْس الساميِّ المُقارِن أنَّ النظائرَ التي تقابلُ (إنَّ) في اللغاتِ الساميَّةِ الأخرى، ومِنها (hinn?) في العبريَّةِ و (hn) في الفينيقيَّة (بعلبكي،1999: 243) ، إنْ هي إلا اسم صوتٍ يُشيرُ إلى معنى التنبيهِ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت