الصفحة 5 من 36

التطابق في العربية المكتوبة إنْ في القديم أو الحديث، خاصَّة عند إهمال الهمزة أو إسقاطها، وهو الأمر الملحوظ الآنَ بكلِّ يُسرٍ في العربية المطبوعة في الكتب والجرائد والمجلات. وبمكنة المرء أنْ يؤسِّسَ على ذلك المتتالية الآتية التي قد تُفسِّرُ شيئًا من الأمر:

تقارُب الشكل الكتابيّ لـ (إنَّ) و (أنَّ) (القول بالأصل الواحد (القول بالدلالة الواحدة"التوكيد"

وهذا ليس بدْعًا من الأمرِ في الدَّرس اللغويِّ العربيِّ القديم، فلقد حَدَثَ في مسائلَ أخرى أنْ جاءَتْ آراءُ القومِ مُتأثرة بما هو مَوجودٌ في النظامِ الكتابيِّ للغةِ، مُنخدِعينَ بما فيهِ، ظنًّا منهم أنَّهُ المُمَثلُ الأمينُ والمُعَبِّرُ الصادِقُ عن كلِّ دقائق اللغةِ. مِنْ هذا أنَّ بعضَهُم قد خلَطَ، فيما عُرِفَ بـ"حُروفِ العِلَّةِ"، بينَ الحقيقةِ الصوتيَّةِ المَنطوقةِ والرمزِ الكتابيِّ المُفصِح عنها، فلم يُفرِّقوا بين الياءِ في (يَلِدُ yalidu) والياءِ في (نرمي narm?) ، وبينَ الواو في (وَلَدَ walada) والواو في (نتلو natl?) . علمًا بأنَّ الياءَ والواو الأوليَيْن يُعْرَفان في الدرس الصوتيِّ الحديثِ بأشباهِ الحرَكاتِ Semi-vowels، أمّا في المثالين الآخرَيْن فهُما حَرَكتان Vowels (بشر،1986: 75 - 89) .

وإذا توقفنا عند مُرادِ بعضِهم من التوكيدِ المستفادِ من الأداتين، ألفينا أنَّهُ"التأكيد لمضمون الجملةِ"، ويعتمدون بغية إيضاحِهِ على سَوْق عيار تركيبيٍّ هو"التكرير":» فإنَّ قولَ القائل:"إنَّ زيدًا قائمٌ"نابَ منابَ تكرير الجملةِ مَرتين، إلا أنَّ قولك:"إنَّ زيدًا قائمٌ"أوجزُ من قولك:"زيدٌ قائمٌ زيدٌ قائمٌ"« (ابن يعيش، 1988: 8/ 59) . أحسبُ أنَّ هذا العيارَ إنما ينطبق على استعمال (إنَّ) وحدَها لوقوعها صدرًا، إذ من السهل أنْ تحذفها ثمَّ تقومَ بتكرير الجملةِ التي تليها، غيرَ أنَّ الأمرَ يتخلفُ إنْ نحنُ وجَّهنا أنظارَنا شطرَ (أنَّ) ، وهذا قد يُفسِّرُ إحجامهم عن تطبيق العيار ذاتِهِ عليها. فليس يصحُّ في:"عرفتُ أنكَ نشيط"- مثلًا - أنْ تقولَ:"*عرفتُ أنتَ نشيط أنتَ نشيط" [1] . بل لا يصحُّ ابتداءً أنْ تحذفَ (أنَّ) ، فالجملة الأخيرة مرفوضة قبل أنْ تكرِّرَ:"*عرفتُ أنتَ نشيط".

(2)تأسيس 2: ملامح اتِّجاه مختلف

الحقّ أنَّ ذلك الرأيَ يُمَثلُ اتِّجاهًا سائدًا في النظر النحويِّ، غير أني لاحظتُ أنَّ نفرًا ... من السلف [2] يَرَوْنَ الرأيَ السابقَ نفسَهُ، لكنَّهم لا يُسَوّونَ في الوقتِ ذاته بين الأداتين من الناحية الدلاليَّة. بل إنَّ الفرق التركيبيَّ القائم بينهما، الموصوفَ سالفًا، منظورٌ إليه عند هذا النفر من النحويين بحسبانه"فرقًا في المعنى"، وذلك بمعنى أنَّ (إنَّ) تؤكد معنى الجملة فقط، والتوكيد تقوية الثابت لا تغيير المعنى، فيكون فرقانُ ما بينهما» من جهة عدم تغيير المكسورة لمعنى الجملة، وتغيير المفتوحة لمعناها إلى المفرد « (الأستراباذيّ،1985:2/ 349) .

كانَ يتوقَّع المرءُ بعد ذلك أنْ تكونَ التسوية الدلالية بين الأداتين حسب هذا التوجّه مرتفعة، يُساعِدُنا على هذا الاستنتاج أنّهم يحصرونَ التشابُهَ بينهما في بَدْهِهِما الجملة الاسميَّة، و"عمل"الرفع والنصب. يقولُ الإمامُ"عبد القاهر" (1982: 1/ 471) :» اعلم أنَّ"أنَّ"المفتوحة بمنزلة المكسورة في عمل النصب والرفع والدخول على المبتدأ والخبر. ومخالفة لها في المعنى، لأنَّ المفتوحة بمنزلة اسم، تقول: بلغني أنَّك منطلق، فيكون بمنزلة: بلغني انطلاقك ... «. لكنَّ أصحاب هذا التوجُّه لم

(1) * تعني النجمةُ (*) الموضوعةُ أمامَ التركيبِ أنهُ مما ترفضه العربيةُ.

(2) ** أعني بالسلفِ علماءَ النحوِ العربيِّ القدامى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت