وهناكَ مَلحَظٌ يُفضي إلى ترجيحِ صِحَّةِ القانون المذكورِ في كلامِنا الفائتِ، ذاكَ الذي يَحْكمُ دخولَ (أنَّ) في التراكيبِ العربيَّةِ. إذ إنَّ التراكيبَ الآتية (44 أ - ج) و (45 أ - ج) و (46 أ - ج) و (47 أ - ج) و (48 أ - ج) ، التي يحتوي (أ) و (ج) في كلٍّ منها على فعل من الأفعال التي أطلِقَ عليها أفعالُ المنح والعطاءِ وأفعالُ التحويل أو التصييرِ، لا يستطيعُ مفعولا أيٍّ مِنها تشكيلَ إسنادٍ، الأمرُ الذي يُفسِّرُ عَدَمَ جوازِ دُخول (أنَّ) في هذه الحال قبلَ المفعولين:
(44) أ. أعْطَيتهُ مَبْلغًا من المال.
ب. * هو مَبْلغٌ من المال.
ج. * أعطيْت أنَّهُ مَبْلغٌ من المال.
(45) أ. مَنَحَ رئيسُ الجامعةِ الطلابَ المتفوقينَ جوائزَ تقديريَّة.
ب. * الطلابُ المتفوقونَ جوائِزُ تقديريَّة.
ج. * مَنَحَ رئيسُ الجامعةِ أنَّ الطلاب المتفوقين جوائز تقديريَّة.
(46) أ. ألبَسَت الأمُّ ابنتها ثوبًا زاهِيًا.
ب. * ابنتها ثوب زاهٍ.
ج. * ألبَسَت الأمُّ أنَّ ابنتها ثوب زاهٍ.
(47) أ. جَعَلَ الغازِلُ القطنَ خيوطًا.
ب. * القطنُ خيوطٌ.
ج. * جَعَلَ الغازِلُ أنَّ القطن خيوط.
(48) أ. رَدَّ الأملُ النفوسَ الشاحبة مُشرِقة.
ب. * النفوس الشاحبة مُشرِقة.
ج. * رَدَّ الأمل أنَّ النفوس الشاحبة مشرقة.
لعلَّ من الجليِّ أنَّ سببَ رفضِ اللغةِ التركيبَ (ب) في (44،45،46،47،48) إنَّما يعودُ إلى المستوى الدلاليِّ من اللغة لا التركيبيّ، إذ ينطوي التركيبُ على علاقةٍ دلاليَّةٍ فيها مُفارَقة ليس للعقلِ بها إلفٌ. فكيف يكونُ الشخصُ مبلغًا من المال كما في (44 ب) ، وكيف يمكن الطلابَ أنْ يكونوا جوائز في (45 ب) ... بل أنّى للنفوس أنْ تجْمَعَ بينَ الشحوبِ والإشراق في آن كما في (48 ب) . يقولُ شارِحُ المفصَّل (ابن يعيش، 1988:7/ 82) :» ... تقولُ: كسَوْتُ زَيدًا ثوبًا، وأعطيتُهُ دِرْهَمًا، فالمفعولُ الأولُ مُغايِرٌ للمفعول الثاني مِنْ طريق المعنى، وهو فاعِلٌ. ألا ترى أنَّ زَيْدًا يَكتسي الثوبَ، وأنَّهُ آخِذ للدرهمِ، وليس الدرهمُ بزيدٍ ولا زيد بالثوبِ. ألا ترى أنَّك لو أسقطتَ الفعلَ والفاعِلَ لم يَجُزْ أنْ تقولَ:"زيدٌ ثوبٌ"، ولا"زيدٌ درهمٌ"، لأنَّ الثانيَ ليسَ الأولَ «.
ولعلَّ الأمرَ أبْينُ والحالَ أظهَرُ مع الأفعال التي قيلَ إنَّها تتعدّى إلى ثلاثةِ مفاعيلَ، إذ إنَّ اللغة لا تجَوِّزُ أنْ تظهَرَ (أنَّ) قبلَ أيِّ مفعول، بل تشترِطُ دُخولَها قبلَ ما سُمِّيَ المفعولَ الثانيَ تحديدًا، لأنَّهُ يُشكلُ رأسَ المركبِ الإسناديِّ (المسند إليْهِ) ، أيْ قبلَ التركيبِ الإسناديِّ مباشرة (مسند إليه + مسند) :
(49) أ. أعْلَمَ الأستاذ الطلابَ الامتحانَ سَهْلًا.
ب. * أعْلَمَ الأستاذ أنَّ الطلاب الامتحان سهل.