وبغية فكِّ المحظور في (43 أ) قامت اللغة بتدابيرَ شتى، تمثلت في الطرق الآتيةِ: الطريق الأولى هي قِيامُ الفعل (عَلِمَ) بالتأثيرِ في العُنْصُرَيْن الموجودَيْن داخِلَ القوْسَيْن تأثيرًا رياضِيًّا - إنْ صَحَّ القولُ -، فكانَ أن انتصَبَ الأولُ وكذا الثاني، ومِنْ ههنا حَصَلْنا على التركيبِ:
(43 ج) عَلِمَ الشرطِيُّ المُتهَمَ بَريئًا.
إنَّ الاعتمادَ على العلامة الإعرابيَّة هنا - وهي الفتحة - للتخلص من المحظورِ التركيبيِّ، يَجْعَلُنا نرى فيها قرينة لفظية دالة على الارتباطِ والتعليق. وطَبْقًا لهذهِ الطريق جاءَت الآية الكريمة: ... {فإنْ عَلِمْتموهُنَّ مُؤمِناتٍ فلا تَرْجِعوهُنَّ إلى الكفارِ} (الممتحنة 10:60) .
وإخالُ أنَّ هذِهِ السبيل تفسِّرُ لنا الظاهرة التي ألفيْناها في النحوِ العربيِّ حاضِرة عَبْرَ قولةِ:"إجراءِ القول مَجْرى الظنِّ"، إذ إنَّ بني سُلَيْمٍ يُجيزونَ ذلك مُطلقًا، أيْ أنْ تقولَ:"قلْتُ زيدًا مُنْطلِقًا"، على حين يوجبُ غيرُهُم الحكاية فيقولونَ:"قلتُ زيدٌ مُنطلِقٌ". وأمّا في لغةِ جمهورِ العربِ فلا يجوزُ إجراءُ القول مجرى الظنِّ إلا بشروط، هي: أنْ تكونَ صيغة القول بتاءِ الخطابِ (تقول) ، وأنْ يكونَ مسبوقًا باستفهامٍ، وأنْ يكونَ الاستفهامُ متصِلًا بالفعل: (أتقولُ زَيْدًا مُنْطلِقًا؟) ، أو مُنفصِلًا عنهُ بظرفٍ أو مجرورٍ أو مفعول [1] .
وأمّا الطريق الثانية فتمثلت في إعمال آليَّةٍ أخرى، هي مِنْ جهةٍ تنْزعُ إلى فكِّ الأقواس في (43 أ) ، ومِنْ جهةٍ أخرى تعتمِدُ على إضافةِ عناصِرَ لغويَّةٍ تقومُ بوظيفةِ الربطِ، كـ (لامِ الابتداءِ) : (عَلِمْتُ لَزَيْدٌ فاضِلٌ) ، ولامِ جوابِ القسَمِ: (عَلِمْتُ لَيَقومَنَّ زَيْدٌ) . أعني بهذا ما أطلقَ عليهِ السلفُ"التعليق" [2] ، وبتطبيقِهِ يؤولُ التركيبُ (43 أ) إلى (43 د) الآتي:
(43 د) عَلِمَ الشرطيُّ لَلمُتهَمُ بريءٌ.
وعلى وِفاق هذه الآليَّةِ، الثانية، وَرَدَ قولُ اللهِ - تعالى ذِكرُهُ -: {ولقدْ علِموا لمَن اشتراهُ ما لَهُ ... في الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ} (البقرة 102:2) .
بَيْدَ أنَّ اللغة لم تكتفِ بما مَضى، فأوْجَدَت طريقًا ثالثة في فضِّ الإشكال التركيبيِّ في (43 أ) ، أظنُّ أنَّها أقربُ الطرق إلى كفايةِ الناطقين بالعربيَّةِ في أيّامِنا، وألصَقها بحَدْسِهم اللغويِّ، وأكثرُها دَوَرانًا على ألسنتِهِم. وتلجأ اللغة في هذه الحال إلى فكِّ القوْسَيْن بإدخال الأداةِ (أنَّ) ، فيستحيلُ (43 أ) إلى:
(43 هـ) عَلِمَ الشرطيُّ أنَّ المُتهَمَ بريءٌ.
إذن فما (أنَّ) سِوى تدبيرٍ لغويٍّ يَرفعُ توَهُّمَ الانفِصال أو الانقِطاع التركيبيِّ بينَ (المُتهَمُ ... بريءٌ) و (عَلِمَ الشرطِيُّ) ، ويُمْكِنُ أنْ نُوَصّفها بعبارةٍ أخرى فنقولَ: (أنَّ) عُنصُرٌ لغوِيٌّ يَتكئ عليهِ الناطِقُ بالعربيَّةِ لِيُظْهرَ اتصالَ ما بَعْدَها بما قبلَها. ولقد أوْرَدَ"ابنُ هشامٍ" (1988:358- 359) استعمالين شعريَّيْن للفعل (زعم) ، أحدهما حسبَ الطريق الأولى، والآخر حسبَ الطريق الثالثةِ:
زَعَمَتني شيخًا ولسْتُ بشيخٍ ... إنَّما الشيخُ مِنْ يَدِبُّ دَبيبا
وقد زَعَمَتْ أنّي تغَيَّرْتُ بَعْدَها ... وَمَنْ ذا الذي يا عَزُّ لا يَتغَيَّرُ
(1) (لمزيدٍ من التفصيل:(ابن هشام، 1988:378 - 381) و: (السيوطي، 1998: 503 - 505) .
(2) (( هو أحد الأحكام التي لأفعال القلوبِ، ويعنونَ بهِ إبطالَ عملِها في اللفظِ دونَ التقديرِ، لاعتراضِ ما له صَدْرُ الكلامِ بينها وبين معموليها، كلام الابتداءِ في مثالنا(43 د) ، ولام جواب القسم، والاستفهام ... (ابن هشام، 1988:365 - 367) .