ولعلَّ مِمّا يُستأنَسُ بهِ في هذا المقامِ أنْ نُشيرَ إلى أنَّ القولَ بدلالة طائفةٍ من الأفعال التي تعقبُها (أنَّ) على"التصوُّر الذهنيِّ"ليس مُسوِّغًا للقول بدلالةِ (أنَّ) على"التوكيدِ". ذلك أنَّ"التصوّر الذهنيّ"مفهومٌ مُختلفٌ عن"التوكيدِ"، لأنَّ أفعالَ"الشكِّ"و"الظنِّ"و"الاحتمال"و"الحلم"... - أمثالًا- داخلة بقوَّةٍ في"التصوُّرِ الذهنيِّ"، فـ"التصوُّر الذهنيّ"مفهومٌ شاملٌ يندرجُ"التوكيدُ"في ضمنِهِ ولا يقتصِرُ عليهِ. إذن، رأيُ مَنْ يَخلِطُ بين مفهومي"التصوُّرِ الذهنيِّ"و"التوكيدِ"ليس هو الوجه عندي.
وقد ذهبَ"السامرائيّ"إلى أنَّ قولك: (علمتُ أنَّ محمَّدًا قائمٌ) آكدُ مِنْ قولِك: (علمتُ محمَّدًا قائمًا) (2002:1/ 272) ، واستندَ في ذلك على بضعة أمثلةٍ يسيرة قصَرَها على شواهدَ من القرآن الكريم. فقالَ إنَّهُ جيءَ بـ (أنَّ) في الآية: {الآن خَففَ اللهُ عنكم وعلِمَ أنَّ فيكم ضعفًا} (الأنفال 8:66) » لأنَّهُ عِلمٌ مُؤكَّدٌ «ولم يَزِدْ على ذلك. وأكادُ أجزمُ بأنَّهُ ما نَعَتَ العلمَ المذكورَ في الآيةِ بالمُؤكَّدِ إلا لأنَّهُ عِلمٌ مُسندٌ إلى الله - تعالى -. فالتوكيد الذي نشعرُ بهِ هنا، المتعلق بعلم اللهِ، والذي لا يُزايلُنا فيهِ أدنى شكٍّ، مَبنيٌّ على معلومةٍ دينيَّةٍ"قبْليَّةٍ"لا لغويَّةٍ، إذ إنَّ الذهنَ يتعامَلُ مع التوكيدِ المتصِفِ بهِ علمُ اللهِ على أنَّهُ معلومة بدهيَّة مفروضة على النصِّ مِنْ خارجهِ.
إلا أنَّ"السامرائيّ"اصطدمَ بآيةٍ أخرى لم تستقِم له تمامًا، لعدم مَجيءِ (أنَّ) بعدَ الفعل (علِمَ) المسندِ إلى اللهِ كذلك: {إنَّ شرَّ الدَّوابِّ عندَ اللهِ الصُّمُّ البُكمُ الذينَ لا يَعْقِلون. ولو عَلِمَ اللهُ فيهِمْ خيرًا لأسْمَعَهُمْ} (الأنفال 8:22 - 23) ، أفنقولُ الآنَ إنَّهُ عِلمٌ غيرُ مُؤكَّدٍ لخلوِّ الجملةِ بعدَ (علِمَ) من الأداةِ (أنَّ) ؟! أرى أنَّهُ لمّا واجهتهُ هذه الآية راحَ يُخرِّجُ الأمرَ تخريجًا بعيدًا، وذلك في قولِهِ:» (ولو علِمَ اللهُ فيهِمْ خيرًا) أيْ ولو علِمَ فيهِمْ جانِبًا ضعيفًا من الخير غير مُحقق، ولا مُتيَقن لأسمَعَهُمْ، أيْ أنَّ هؤلاء ليس فيهِم شيءٌ من الخير المحتمَل، بله المُحقق، ولذا لم يأتِ بأنَّ « (السامرائي،2002:1/ 272) . وهل هذا التفسير - في حال كانَ صحيحًا - مانِعٌ من القول: (ولو عَلِمَ اللهُ أنَّ فيهِمْ خيرًا ... ) ؟ ألا تنصرفُ الأذهانُ إلى هذا الذي قالَهُ"السامرائيّ"بالضبطِ حينَ ذكْرِ الأداةِ (أنَّ) ؟ ثمَّ إذا كانتْ (أنَّ) للتوكيد، ألا يجوزُ أنْ يُؤكدَ المولى علمَهُ بوجودِ أدنى خيرٍ فيهِمْ؟ أقولُ: إنَّ هذا"الجانبَ الضعيفَ"يُفهَمُ سريعًا مِنْ كلمةِ"أيّ"أو"أدنى"حتى مع ذكْرِ (أنَّ) : (ولو عَلِمَ اللهُ أنَّ فيهِمْ أيَّ خيرٍ ... ) ، (ولو عَلِمَ اللهُ أنَّ فيهم أدنى خيرٍ) . وأحسبُ أنَّهُ شعر هو نفسه بضعف تخريجهِ هذا، ولذلك وجدناهُ يُعقبُ على رأيه السابق في عدم اشتمال هذه الآية على (أنَّ) بقولِهِ:» والله أعلم «، غيرَ أنَّهُ لم يقل الشيءَ نفسه بعدَ الآية السالفةِ التي فيها (أنَّ) ! ولعلَّ تخلُّفَ (أنَّ) عن الدلالةِ على التوكيدِ في بعض ما صادفه مِنْ أمثلةٍ وشواهدَ هو الذي اضطرَّهُ إلى أنْ يَعُدَّ الوظيفةَ التركيبيَّة أهمَّ وظيفةٍ لها. فلو أنَّهُ وَجَدَ (أنَّ) دالَّة على التوكيدِ باطِّرادٍ لقالَ - مثلًا: إنَّ أهمَّ وظيفةٍ لها أنَّها تدُلُّ على التوكيدِ، لكنَّهُ لم يقلْ ذلك، بل قالَ:» إنَّ أهمَّ وظيفةٍ لها أنَّها توقِعُ الجملة موقعَ المفردِ، فتهيئها لتكونَ فاعلة ومفعولة ومبتدأ ومجرورة ونحو ذلك «.
ومن الآياتِ التي أورَدَها للتدليل على أنَّ غيابَ (أنَّ) يَقعُ عند عدمِ إرادةِ اليقين القاطع: {فإنْ عَلِمْتُموهنَّ مُؤمِناتٍ فلا تَرْجعوهُنَّ إلى الكُفّارِ} (الممتحنة 60:10) ، قالَ:» ولم يقلْ: (فإنْ علِمْتم أنَّهنَّ مُؤمِناتٌ) ، لأنَّ الإيمانَ أمرٌ قلبيٌّ لا يَطلع على حقيقتِهِ إلا اللهُ، ولذلك قالَ: (اللهُ أعْلَمُ بإيمانِهنَّ) ، فاكتفى بالأماراتِ والدلالاتِ الظاهرةِ التي تدلّ على الإيمان، ولم يُؤكدْهُ بأنَّ لأنَّهُ لا سبيلَ إلى اليقين القاطع « (السامرائي،2002:1/ 272) . أقولُ: أفلو ذكِرَت (أنَّ) في الآيةِ، أكانَ في هذا ما يدعو إلى الظنِّ بأنَّنا قادرونَ على أنْ نطَّلِعَ على"حقيقةِ"إيمانِهِنَّ؟ ليس من الصوابِ في شيءٍ أنْ يُقالَ: إنَّ اللهَ - سبحانهُ - أسقطَ (أنَّ) من الآيةِ لأنَّهُ يقصِدُ إلى أنْ يُخبرَنا بأنَّ"الإيمانَ أمرٌ قلبيٌّ لا يَطلع على حقيقتِهِ إلا اللهُ"، أقولُ: هذا ليس صوابًا لأنَّ اللهَ قدَّمَ لنا هذه المعلومة في الآيةِ ذاتِها وأخبَرَ بها قبلًا: ... {يا أيُّها الذينَ آمَنوا إذا جاءكم المؤمناتُ مهاجراتٍ فامْتحِنوهُنَّ اللهُ أعلَمُ بإيمانِهِنَّ فإنْ عَلِمْتُموهنَّ مُؤمِناتٍ فلا تَرْجعوهُنَّ إلى الكُفّار} ، أيَحتاجُ الأمرُ بعدَ أنْ قالَ: (اللهُ أعلَمُ بإيمانِهِنَّ) إلى أنْ يَحذفَ