(أنَّ) من (عَلِمْتُموهنَّ مُؤمِناتٍ) لكي يُفهِمَنا بأنَّ الله وحدَهُ المطَّلع على حقيقة إيمانِهِنَّ؟ لا يخفى على كلِّ أحدٍ أنَّ في هذا تسطيحًا ينبغي أنْ يُنزَّهَ عنه التنزيلُ العزيزُ.
ثمَّ إنَّنا كلَّنا - مِنْ ناحيةٍ ثانيةٍ - نُدرِكُ بأنَّ مِنْ أوَّليّاتِ هذا الدين، بل كلّ الأديان، أنَّ الإيمانَ موطنه القلب، وأنَّ بشرًا لا يستطيعُ التحقق مِن إيمان المرءِ ودرجةِ اعتقادِهِ أو صحَّتِهِ. ولكنَّنا جميعًا، في المقابل، نعي تمامًا بأنَّ للإيمان تمظهراتٍ قوليَّة وسلوكيَّة يمكنُ منها قياسُ إيمان المرء والحكمُ عليهِ، على اعتبارِ أنَّ الإيمانَ ليسَ محدودًا بما وَقرَ في القلب، بل يتجاوزُ ذلكَ إلى نطق اللسان، وتصديق الجوارح. فما يمنعُ، بعدُ، مِنْ أنْ يتسلَّطَ التوكيدُ على الإيمان بالاعتبار الإنسانيِّ المفهوم بداهة، الداخل ضمنَ حدودِ القدرةِ البشريَّةِ، أعني الإيمانَ الذي يمكنُ قياسُهُ والحكمُ عليه، ذاك الظاهر على اللسان البادي على الجوارح؟ فإذا قيلَ: (فإنْ علمتم أنهنَّ مؤمناتٌ) فإنَّ الذي يَرِدُ للخاطر أنَّ التوكيدَ - إنْ كانت (أنَّ) للتوكيدِ - إنَّما ينصبُّ، حسبُ، على جانب الإيمانِ القابل للامتحان، الخاضع للقياس. ويُؤيِّدُ كلَّ الذي قلناهُ ما وَرَدَ عند السادة العلماء من المفسرين، مِنْ أنَّ الرسولَ - صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ - كانَ يقولُ للمُمْتحَنةِ:"باللهِ الذي لا إلهَ إلا هو ما خرجتِ مِنْ بغض زوج، باللهِ ما خرجتِ رغبة مِنْ أرض إلى أرض، باللهِ ما خرجتِ التماسَ دنيا، باللهِ ما خرجتِ إلا حبًّا للهِ ورسولِهِ" (الرازي،2000:29/ 264) ، فالامتحانُ الذي فهموهُ إذن لم يتعدَّ الناحية اللفظيَّة القوليَّة، إذ كانَ بالحلفِ ليسَ غير.
ومِنْ أدلة"السامرائي"على كون (أنَّ) مفيدة للتوكيدِ في العربيَّةِ» أنَّ القرآنَ الكريمَ إذا قرَنَ الظنَّ بها أفادَ اليقينَ - كما يقولُ النحاة -، فحيث اقترنت به في القرآن الكريم أفادَ الظنُّ معنى العلم ... واليقين « (2002:1/ 273) . وعلى غير عادتِهِ لم يُحِلْ إلى مرجع نحويٍّ واحد لتوثيق ما يقولُ. ثمَّ إذا كانَ الأمر واردًا حقًا على هذا النحو لدى النحويّينَ، فإنَّهُ ليس محلَّ تسليم عندنا، لأنَّ المعجميّينَ العرب ينصّونَ على ما يفيدُ بأنَّ مادَّة الظنِّ دالَّة بنفسِها وأصل بنيةِ كلمتِها على الشكِّ واليقين:» الظنُّ شكٌّ ويقينٌ، إلا أنَّهُ ليسَ بيقين عيان، إنَّما هو يقينُ تدبُّرٍ « (ابن منظور،1990: ظنن) . وثمَّة شواهدُ على أنَّ الظنَّ قد يوضَعُ موضِعَ العلم واليقين دونَ أنْ تقترنَ بهِ (أنَّ) ، قالَ"دُرَيْدُ بنُ الصِّمَّة":
فقلتُ لهُم: ظُنّوا بألفَيْ مُدَجَّج ... سَراتُهُمُ في الفارسِيِّ المُسَرَّدِ
وقد جاءَ في"اللسان"عقبَ هذا البيتِ:» أي استيْقنوا، وإنَّما يُخوِّفُ عدوَّهُ باليقين لا بالشكِّ « (ابن منظور،1990: ظنن) . وفي الحديث:» قالَ أنس: سألتُهُ عن قولِهِ - تعالى: (أو لامَسْتُمُ النساءَ) ، فأشارَ بيدِهِ، فظنَنتُ ما قالَ أيْ علمْتُ « (ابن منظور،1990: ظنن) .