الصفحة 15 من 36

أميلُ إلى الاعتقادِ بأنَّ الربطَ في اللغةِ العربيَّةِ مُنْشعِبٌ إلى نوعين. النوع الأوَّل هو ذاكَ الذي يَجْمَعُ بين إسنادين - أو أكثر - على نحوٍ يُشَكلُ معه كلُّ إسنادٍ منهما مُكوِّنًا جُمليًّا قائمَ الذاتِ، ويرتبطُ أحدُهُما بالآخرِ بكيفيَّةٍ ما دونَ أن يَفقِدَ استقلالَهُ (المتوكل، 1987:35) . بمعنى أنَّ هذا الربطَ تبقى معه الأسانيدُ مُحتفظِة باستقلال لها نسبيٍّ. ولا تكونُ أيُّ جملةٍ من الجمل المربوطةِ تابعة أو خاضعة أو مُدْمَجة في جملةٍ أخرى. وهذا يَعْني أنَّ الجملة لا تدخلُ في تكوين جملةٍ أخرى وتركيبها حَسْبَ هذا الربطِ، بل إِنَّ الجملَ المربوطة تكون - بعد الربط - متكافئة على درجةٍ واحدةٍ من الأهمّيّةِ (Ezzat ،1984:2/652) . ولذلك يُطلِقُ بعضُ اللغويّينَ الغربيّينَ على الجملِ المربوطةِ"توفيقيًّا"بالجملِ الأخواتِ sisters (Brown ، 1980:155) .

اقرأ الجملَ الآتية:

(5 أ) ذهَبَتْ أختي إلى المكتبةِ، فوَجَدَتها مُغلَقة.

(5 ب) حَضَرَ النَّدْوَة عَدْنانُ، وغابَ عنها وائل.

(5 ج) وَصَلَ تميمٌ مُبَكِّرًا، لكنْ لم يَصِلْ غسّانُ مُبَكِّرًا.

(5 د) لقد تناوَلوا الغداءَ، ثمَّ توَجَّهوا إلى أعمالِهِم.

(5 هـ) ما ضَرَبَهُ، بل صَرَخَ في وَجْهِهِ فقط.

(5 و) اتصِلْ بِهِ بالهاتفِ، أو ابْعَثْ لهُ رسالة إلكترونيَّة.

تجدْ أنَّ الروابطَ فيها، وهي على التوالي: (الفاء، الواو، لكنْ، ثمَّ، بل، أو) ، تعْمَلُ على ..."التوفيقِ"بينَ الجمل وتجميعِها والتسوِيَةِ بينَها، بحيث لا تفقِدُ الجملة استقلالَها بَعْدَ الربطِ. وهو استقلالٌ نسبيٌّ نعني بهِ، حسبُ، عَدَمَ كون إحدى الجملتين المربوطتين مُكوِّنًا مِنْ مُكوِّناتِ الجملةِ الأخرى. وبسببِ ذلكَ، أسْتحِبُّ تسمية روابطِ هذا النوع بالروابطِ"الموفِّقةِ"أو أدوات الربط التوفيقيّ ... co-ordinating conjunctions [1] . والجملة التي تنتج من الربط"التوفيقيِّ"، يمكنُ أنْ نُطلِقَ عليها"الجملة المركبة توفيقيًّا"co-ordinate complex sentence (Brown، 1980:154) .

أمّا النوعُ الآخَرُ للربطِ فنجدُ أنَّ الناطقَ اللغويَّ يقومُ بإدماج إسنادٍ في آخرَ، بحيث يغدو الإسنادُ المُدْمَجُ مُكوِّنًا مِنْ مُكوِّناتِ الإسنادِ المدمِج. وهذا يعني أنَّ"الروابط المدمجة" (بكسرِ الميم الثانيةِ) أو أدوات الربط الإدْماجيّ subordinating conjunctions ، تعمل على إخضاع إسنادٍ لآخر، فتصبح الجملةُ المركبة المشتملة على جملتين مربوطتين ربطًا إدماجيًا، مكوَّنةً من جملة رئيسة"مُدمِجة"مُحْتضِنةٍ، وأخرى ثانوية"مُدمَجة"مُحتضَنةٍ، والجملة الثانوية المدمَجة تمثل عنصرًا من عناصر الجملة الرئيسة المدمِجة.

ولعلَّ من الطبيعيِّ أنْ نذهبَ - تأسيسًا على ذلك - إلى أنَّ الأصلَ في"الروابطِ المُدْمِجةِ"أنْ تتصدَّرَ الأسانيدَ المُدْمَجَة. وهذا يَعني أنَّها يَجبُ أنْ تقعَ في الأصل بعدَ الإسنادِ المُدْمِج وقبلَ الإسنادِ المُدْمَج، وذلكَ لكي يَتسَنّى لها إدماجُ الثاني في الأوَّل، ومِنْ ثمَّ يُضحي الثاني مُكوِّنًا مِنْ مُكوِّناتِ الأوَّل وأحدَ عناصرِهِ.

رغمَ ذلكَ، فثمَّة رائزٌ يَروزُ بشكل عامٍّ السلوكَ التركيبيَّ للروابطِ المُدْمِجةِ، وهي في سلوكِها هذا إنَّما تقِفُ على النقيض مِنْ كثيرٍ من الروابطِ المُوفقةِ. ذاكَ أنَّنا نُلاحِظُ أنَّ اللغة توجبُ على

(1) (المصطلح العربي الذي يرتضيهِ"ريمون طحان"تعريبًا للمصطلح co-ordination، هو"الوصل"(طحان، 1981:2/ 99) . بينما يترجمه"رمضان عبد التواب"بـ"التسوية" (برجشتراسر، 1982: 176 - 181) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت