الصفحة 24 من 36

ولا يَخْرُجُ الرابِطُ في هذهِ الأحوال عن أحدِ نَوْعَيْن: الضميرِ والأداة. وليس الربطُ بالضميرِ كالربطِ بالأداةِ، فوظيفة الربطِ بالضميرِ ناشئة ممّا في الضميرِ مِنْ قوَّةٍ إحاليَّةٍ مرتكزةٍ على إعادةِ الذكرِ. قالَ"سيبويهِ" (1991:2/ 6) :» وإنَّما صارَ الإضمارُ مَعْرِفة لأنكَ إنَّما تضمِرُ اسمًا بَعْدَ ما تعْلمُ أنَّ مَنْ يُحَدَّثُ قد عَرَفَ مَنْ تعْني وما تعني، وأنك تريدُ شيئًا يَعْلمُهُ «.

إنَّ قيامَ الضميرِ بوظيفةِ الربطِ، جنبًا إلى جنبٍ مع الأداةِ (أنَّ) - بشكل خاصٍّ -، يحفزُ المَرْءَ إلى التسآل عن الظروفِ التركيبيَّةِ التي تستدْعي استِخدامَ (أنَّ) دونَ الرابطِ الضميريِّ أو العكس. فلِمَ كانَ الرابطُ في (41 أ) هو الضمير، بينما الرابط في (42 أ) هو (أنَّ) ؟

(41 أ) عَمّي زوجَتهُ مَريضَة.

(41 ب) * عَمّي أنَّ الزوجة (زوجتهُ) مَريضَة.

(42 أ) الحقُّ أنَّكَ كريمٌ.

(42 ب) * الحقُّ هو أنتَ كريمٌ.

يَبْدو، للخاطِرِ الأول، أنَّ أمرَ اللغةِ في هذا غريبٌ، إذ إنَّها بايَنَتْ بَيْنَ الرابطيْن في كلٍّ مِنْ (41 أ) و (42 أ) ، رَغمَ أنَّ الإسنادَ المُدْمَجَ أو المَرْبوطَ في كلٍّ إنَّما هو إسنادٌ واحِدٌ مِنْ حيثُ الوظيفة النحويَّة والتركيبُ الداخليُّ. ففي (41 أ) نجدُ الإسنادَ المُدْمَجَ (زوجته مَريضَة / الزوجة مَريضَة) جملة تامَّة أو إسنادًا أصليًّا حالا مَحَلَّ مُسْندٍ خبر للمُسْندِ إليه المبتدأ (عَمّي) . وهذهِ بالضبطِ هي حالُ (أنتَ كريمٌ) في (42 أ) ، فهو إسنادٌ تامٌّ واقعٌ مَوقِعَ المُسْندِ الخبرِ للمُسْندِ إليهِ المُبتدأ (الحقُّ) . كما أنَّ كلا من الإسنادَيْن المُدْمَجَيْن - في الآن نفسِهِ - يَتكوَّنُ من (مسندإليه مبتدأ + مسند خبر) . بعبارةٍ أخرى: لِمَ تعُدُّ اللغة النمَطَ (41 ب) مَرفوضًا، مَعَ أنَّ (أنَّ) فيهِ تسبقُ إسنادًا تامًّا (زوجته مَريضَة / الزوجة مَريضَة) ؟ لا أجدُ لهذا تفسيرًا سوى أنَّ التركيبَ (41 أ) يَرتدُّ إلى بنيَةٍ مُضمَرَةٍ لا يَرتدُّ إليها التركيبُ (42 أ) ، وهي:

(41 ج) زوجة عمّي مَريضَة.

هذا يَعني أنَّ اللغة ترفضُ (41 ب) لأنَّ (41 أ) ذات بنيةٍ مُحَوَّلةٍ، أيْ أنَّ (41 أ) مُستخلَصَة مِنْ ... (41 ج) بتطبيق بعض العمليّاتِ اللغويَّةِ التحويليَّةِ، وهذه العمليّاتُ في الحقيقةِ اثنتان: الأولى نَقلُ نسخةٍ مِن المُضافِ إليهِ (عَمّي) إلى مَوقِع المُبتدأ. أمّا الثانية فهي تحويلُ الأصل، أيْ (عَمّي) الذي نُقِلتْ مِنهُ النسخة المُحرَّكة، إلى الضميرِ المُتصِل (ـهُ) ، وَفقًا للآتي:

1-زوجة عَمّي مَريضَة.

2-* عَمّي زوجة عَمّي مَريضَة.

3-عَمّي زوجتهُ مَريضَة.

هذا يُرينا السببَ الذي مِنْ أجلِهِ كانَ الرابطُ هو الضمير في (41 أ) لا الأداة (أنَّ) . وما قلناهُ في (41 أ) ، بالتأكيدِ، غيرُ متوفرٍ للبنيةِ (42 أ) .

أخلُصُ إلى أنَّ العربيَّة لا تميلُ إلى أنْ يَشغلَ الإسنادُ موقِعًا إعرابيّا، أو وظيفة نحويَّة ما، على نحوٍ يَظهَرُ فيهِ هذا الإسنادُ متصِلًا اتصالًا مُباشرًا بباقي مكوِّناتِ الجملةِ"الكبرى"أو"المركبةِ"دونَ أداةٍ للربطِ. بمعنى أنَّ الإسنادَ إذا ظَهَرَ بوصفِهِ مُكوِّنًا جُمْليّا مِنْ مكوِّناتِ جملةٍ أخرى أكبرَ، أو لنقلْ: إنَّ الإسنادَ الأصليَّ إذا لم يَكنْ مقصودًا لذاتِهِ في التركيبِ، فإنَّ اللغة تنظرُ إلى هذا - في الغالبِ - على أنَّهُ محظورٌ تركيبيٌّ تسعى جاهِدة إلى فضِّهِ. وأجْلَ التخلص من هذا المحظورِ الناشئ فقد توسَّلت اللغة بالأداة (أنَّ) ، تقحِمُها في الجملةِ شرطَ أنْ تقعَ في صَدْرِ الإسنادِ الأصغرِ، قصدَ الربطِ بينَ الأسانيدِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت