الصفحة 17 من 36

سببِ استِقباح سيبويهِ الجملة المبدوءة بـ (أنَّ) . أو - بعبارةٍ أخرى: لمَ غايَرتْ (أنَّ) الأدواتِ الرابطة الإدماجيَّة الأخرى في السلوكِ التركيبيِّ الموصوفِ، فلمْ تقوَ على أنْ تبْدَهَ الجملة المركبة؟

عَللَ سيبويهِ (1991:3/ 124) حُكمَهُ على تيْنِك الجملتين بالقبح قائلًا:» لأنَّ الكلامَ بَعْدَ (أنَّ) و (إنَّ) غيرُ مُسْتغنٍ كما أنَّ المبتدأ غيرُ مُسْتغنٍ. وإنَّما كرِهوا ابتِداءَ [1] (أنَّ) لئلا يُشبِّهوها بالأسماءِ التي تعمَلُ فيها (إنَّ) ، ولئلا يُشبِّهوها بـ (أنْ) الخفيفة، لأنَّ (أنْ) والفعلَ بمنزلةِ مصدر فعلِهِ الذي ينصبُهُ، والمصادِرُ تعمَلُ فيها (إنَّ) و (أنَّ) «. وفسَّرَ"ابنُ السراج" (1999:1/ 266) امتناعَ الابتداءِ بها على ما رأى سيبويهِ بأنْ قالَ:» لأنها إنَّما هي بمنزلةِ"أنْ"الخفيفةِ التي هي مع الفعل بمعنى المصدرِ. وما كانَ بمنزلةِ الشيءِ فليسَ هو ذلك الشيء بعينِهِ، فلا يَجوزُ أنْ يتصَرَّفَ تصرُّفَ"أنْ"الخفيفةِ الناصبةِ للفعل في جميع أحوالِها «. لكنَّنا نجدُ"الجرجانيَّ" (1982:1/ 472) يُعَللُهُ بقولِهِ:» لو ابتدأوا بأنَّ لكانَ يَعْرِضُ أنْ تدْخُلَ عليهِ (أنَّ) نحوَ قولِكَ: (أنَّ أنَّكَ مُنطلِقٌ خيْرٌ لكَ) ، وهذا مُستنكرٌ لاجتِماع حَرفي تأكيدٍ «. بَيْدَ أنَّ"السُّهَيْلِيَّ" (1984:346 - 347) يَرى أنَّها لا تقَعُ مُبتدأ، بسببِ أنَّ العامِلَ في المُبتدأ مَعنَوِيٌّ، وجملة (أنَّ) معناها التوكيدُ، فلا يَصِحُّ - عندَهُ - أنْ يَكونَ العامِلُ مَعنى والمَعْمولُ مَعْنى أيْضًا، إنَّما يَصِحُّ أنْ تكونَ جملة (أنَّ) مَعْمولًا لعامِل لفظيٍّ. ولهُ في هذه المسألةِ جوابٌ آخرُ، هو» أنَّهُم لو جَعَلوها في مَوْضِع المُبتدأ، لم يَسْبقْ إلى الذهن إلا الاعتِمادُ على مُجَرَّدِ التوكيدِ دونَ توطئةِ الجملةِ للإخبارِ عنها، فكانت تُكْسَرُ هَمْزتُها «.

حقًا أنَّ هذا المَلحَظَ الذي استقبَحَ فيهِ سيبَوَيْهِ أنْ تقعَ (أنَّ) من الجملةِ أولًا، قد قدَحَ في الذهن جملة اختلافاتٍ تقومُ بينَ (أنَّ) وأدواتِ الربطِ الأخرى.

فإذا كانَ صحيحًا أنَّ الرابطَ المُدْمِجَ يقومُ بإدماجِ إسنادٍ في آخرَ وإخضاعِهِ له لكي يُصْبحَ مُكوِّنًا مِنْ مُكوِّناتِهِ، فإنَّ هذا يُفسِّرُ لنا ضرورة أنْ يَكونَ الإسنادُ المُدْمَجُ الذي تتصَدَّرُهُ أداة الربطِ المُدْمِجة، حامِلًا لوظيفةٍ دلاليَّةٍ ما أو نحويَّةٍ: كالفاعل، أو المفعول، أو نائب الفاعل، أو المبتدأ، أو الخبر، أو اسم"كانَ"- مثلا - أو خبرها، أو اسم"إنَّ"- مثلا - أو خبرها، أو الحال، أو الشرط، أو المضاف إليه، إلى آخرِ هذه الوظائفِ التي لا تسنِدُها اللغة إلى الأدواتِ الموفّقةِ. ونجدُ هذا مُنطبقًا على (أنَّ) بالقدْرِ الذي يَنطبقُ على أدواتِ الربطِ المُدْمِجةِ، ولهذا لسْنا نمْلِكُ إلا أنْ ندْخِلَ (أنَّ) ضمنَ الأدوات المُدْمِجة. إذن، نعُدُّ (أنَّ) أداة تصطَنِعُها اللغة لإنشاءِ علاقةِ ربطٍ بينَ طرفين أحدُهُما مُكوِّنٌ جُمْلِيٌّ للآخرِ.

غيرَ أنَّ (أنَّ) ، مِنْ جانبٍ آخرَ، تنمازُ مِنْ سِواها مِنْ أدواتِ الربطِ الإدماجيِّ مِنْ جهةِ أنَّ الأدواتِ الأخرى تسبقُ الأسانيدَ التي توكلُ إليها وظائفُ"تكميليَّة"أو"فضليَّة"، كوظيفةِ"الزمان"أو"الحال"أو"الشرطِ":

(15 أ) سافرَ رئيسُ الوزراءِ إلى مصرَ قبلَ أنْ يُسافِرَ إلى الكويت.

(16 أ) دَخلتْ هندٌ الصفَّ وهي تضْحَكُ.

(17 أ) يَذهَبُ خالدٌ إلى السينما إنْ تذهَبْ مَريمُ [2] .

(1) (( يَنبغي أنْ لا يُفهَمَ مِن"الابتِداءِ"هنا تلك الوظيفة النحوية المعروفة بالمبتدأ، بدليل أنَّ(أنَّ) مع الإسنادَ الذي يَتبَعُها قد تقع موقِعَ المبتدأ النحويِّ، كأنْ تقولَ: (من الواضحِ أنَّ الطلابَ سيَتغيَّبونَ اليومَ عن المحاضراتِ) . ثمَّ إنَّ المثالينِ اللذينِ ضَرَبَهُما سيبويه مُسْتقبِحًا إيّاهُما لم تحلَّ في أيٍّ منهما (أنَّ) وما بعدَها محلَّ المبتدأ. وقد أورَدَ سيبويهِ في مِوطِنٍ آخرَ مثالًا جاءت فيهِ جملة (أنَّ) في مَوقِعِ المُبتدأ: (أحَقٌّ أنَّكَ ذاهِبٌ) ، وأشارَ إلى هذا أحدُ الباحثينَ (انظر: النواسخ في كتاب سيبويه، ص 116) . إذن، فالابتِداءُ المرفوضُ - فيما أفهَمُ - هو أنْ تقعَ (أنَّ) مع الإسنادِ الذي يَليها"أولًا"، بغضِّ النظرِ عن الوظيفةِ النحويَّةِ. بل إنَّ"ابنَ يعيشَ"يُصَرِّحُ بأنَّ (أنَّ) قد تقعُ مُبتدأةً كقولِكَ: (عندي أنَّكَ خارِجٌ) ، يَقولُ: (إذا وَقَعَتْ مُبْتدَأةً فلا بُدَّ مِنْ تقديمِ الخبرِ عليْها، ولا تصدّر بالمبتدأة على قاعدة المبتدآت، فلا تقول: أنَّكَ مُنطلِقٌ عندي) . انظر: شرح المُفَصَّل،8/ 59. وأعجَبُ بعدَ هذا مِنْ رأيِ"السهيليِّ"التالي الذي ذهبَ فيهِ إلى أنَّها لا تقعُ مبتدأ.

(2) (هذا هو الأصلُ في التركيبِ الشرطيِّ مِنْ وجهةِ نظر اللسانيّاتِ التاريخية، وقد أثبتنا ذلك في بحثٍ آخر. انظر(عكاشة، 2003:354 - 365) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت