بفلسفة أرسطو. ونحن نورد هنا مثالا في هذا المقام يقول ابن رشد:"هذا كله تخرص على الفلاسفة من ابن سينا، وأبي نصر الفارابي، وغيرهما، وأما ما حكاه ابن سينا من صدور هذه المبادئ بعضها من بعض فهو شيء لا يعرفه القوم، (يقصد أفلاطون وأرسطو) وإنما الذي عندهم أن لها من هذا المبدإ مقامات معلومة لا يتم لها وجود إلا بذلك المقام منها" (19) ثم يقول في موضع آخر، معترضا على فكرة الفيض:"وهذا كله ليس يلزم قول أرسطو، فإن الفاعل الواحد الذي وجد في الشاهد يصدر عنه فعل واحد، ليس يقال مع الفاعل الأول إلا باشتراك الاسم وذلك أن الفاعل الأول الذي في الغائب، فاعل مطلق، والذي في الشاهد فاعل مقيد، والفاعل المطلق ليس يصدر عنه إلا فعل مطلق. والفعل المطلق ليس يختص بمفعول دون مفعول" (20) إن ابن رشد لم يكتف بهذا بل تصدى لشرح كتب أرسطو شروحا ضافية وهي التي ستحدث أثرا بليغا في حياة الفكر الأوروبي، ولقد كان لابن رشد ثلاثة طرائق: الشرح الأصغر وهو شرح وجيز، ثم الشرح المتوسط، ثم الشرح الكبير، وبهذه الشروح تخلصت فلسفة أرسطو مما نسب إليها من أفكار أفلوطينية محدثة.
والآن و بعد أن تحدثنا عن تنقية ابن رشد لفلسفة أرسطو وترتيبها وشرحها شرحا دقيقا، لابد أن ننتقل إلى الجواب عن سؤال هام، وهو كيف انتقل التراث اليوناني والعربي الإسلامي إلى أوروبا؟ ففي الوقت الذي كان ابن رشد مشتغلا بالفلسفة، كان الفكر الأوروبي بدأ يستفيق من غفوته، محاولا أن ينفض عن نفسه غبار القرون الوسطى، وظلامها الدامس، ملتمسا أقرب نقطة لتحقيق هذا الهدف الأسمى، وفعلا فلقد كانت نقطة البداية، هي الأندلس، فلقد كانت ملتقى للعلم، والمعرفة، ومثالا للتسامح بين الأجناس والأعراق، وبما