هذه هي قصة الفلسفة وهي تنتقل من جنوب أثينا إلى أثينا بالذات، ثم
إلى الإسكندرية، وروما، وهي في كل هذا لم تكن فلسفة يونانية خالصة، فلقد امتزجت بجميع العناصر الفكرية التي أشرت إليها سابقا، غير أنه ينبغي
أن أشير هنا إلى شيء هام وهو أن التراث اليوناني بقي محصورا في الإسكندرية ولم يمتد إشعاعه خارجها، يقول ويلز جورج:"هكذا حدث أن شعلة التقدم الفكري لم تتجاوز قط دائرة ضيقة من الناس المتصلين بمجموعة الفلاسفة الذين جعلهم بطليموس الأول، والثاني، كان مثلها كمثل نور في مصباح معتم، يحجب النور دون العالم كافة، وقد تكون الشعلة في الداخل وهاجة، ولكنها مع ذلك مستورة لا تراها الأنظار. أما بقية أصقاع العالم، فإنها صارت على طرائقها القديمة غير دارية أنها قد بذرت بذرة العلم والمعرفة التي ستحدث فيه انقلابا في يوم من الأيام، وسرعان ما غشيت الدنيا سحابة حالكة من التعصب الديني وغمرت كل أرجائها حتى الإسكندرية نفسها" (8) . ويقول عن يقول على الرومان بعد استيلائهم على أثينا ومراكزها الفكرية."إن الإمبراطورية الرومانية جمعاء لم تنتج في مدى أربعة قرون شيئا يمكن موازنته بالنشاط العقلي الجريء الذي بذلته مدينة أثينا الصغيرة أثناء قرن عظمتها، ولم تصب أثينا في ظلال الصولجان الروماني إلا إلى الانحطاط والتدهور واضمحل عالم الإسكندرية، بل يلوح أن روح الإنسان كانت تضمحل في تلك الأيام (9) وهكذا كان العالم يعيش في الظلام الدامس، ولا يعرف قيمة تلك الكتب التي كانت مكدسة في بعض المكاتب حتى ظهر الإسلام فأخذ تلك البذرة فرعاها حتى أتت ثمارها اليانعة. نعم لقد كان على العرب بعد بزوغ الإسلام وانتشاره أن يضطلعوا بهذه الرسالة التحضيرية وأن يحققوا أمورا أربعة."