فهرس الكتاب
الذين أُوتُوهُ إلاّ من بعد ما جاءتهم البيّنات إلاّ بغيًا بينهم، فكلّ واحدٍ من الثلاثة محصورٌ، وإذا كان كذلك فقد صارت أداة الاستثناء مستثنىً بها شيئان دون الأول من غير عطفٍ، وهذا لا يجوز، وإنّما جاز مع العطف؛ لأنّ حروف العطف يُنوى بعدها (إلاّ) فصارت كالملفوظ بها، فإن جاء ما يُوهم ذلك جُعل على إضمار عاملٍ )) [1] ، ثُمّ قال: (( وأجاز قومٌ أن يقع بعد(إلاّ) مستثنيان دون عطفٍ، والصحيح أنّه لا يجوز؛ لأنّ (إلاّ) هي من حيث المعنى معَدِّية، ولولا (إلاّ) لما جاز للاسم بعدها أن يتعلّق بما قبلها، فهي كواو (مع) , وكالهمزة التي جُعلت للتعدية في بنية الفعل، فكما أنّه لا تُعدِّى واو (مع) ولا الهمزة لغير مطلوبها الأول إلاّ بحرف عطفٍ، فكذلك (إلاّ) .
وعلى هذا الذي مَهّدْناه يتعلّق (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيّنَاتُ) وينتصب (بَغْيًا) بعاملٍ مضمرٍ يدلّ عليه ما قبله، وتقديره: اختلفوا فيه من بعد ما جاءتهم البيّنات بغيًا بينهم )) [2] .
الوقفة الثالثة: نجد أبا حيّان - والله أعلم - مال إلى القول برأي الكسائيّ والأخفش القائلَينِ بجواز وقوع الحال بعد (إلاّ) - وهذا القول هو مذهب الزمخشريّ - في قوله تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ} (آل عمران: 93) ، فقال: (((مِنْ قَبْلِ) يظهر أنّه متعلِّقٌ بقوله: (كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ) أي: من قبل أن تُنزل التوراة، وفصَل بالاستثناء؛ إذْ هو فصْلٌ جائزٌ، وذلك على مذهب الكسائيّ، وأبي الحسن، في جواز أن يعمل ما قبل (إلاّ) فيما بعدها، إذا كان ظرفًا، أو مجرورًا، أو حالًا، نحو: ما
(1) ينظر: البحر المحيط 2/ 146.
(2) ينظر: البحر المحيط 2/ 147.