الصفحة 78 من 118

أنها نصوص هجينة معلقة بين ثقافتين، وأحد خيارات المترجم أن يكون مبدعًا ثقافيًا بالحفاظ على خصائص الممارسات التعبيرية الشائعة من ثقافة النص الأصلي في النص المترجم. فالترجمة مثال واقعي للتوازن والمواءمة بين ضغوط العولمة، والقولمة، وقد تتحد وسائل انتقال الممارسات الشائعة بالنظر إلى المستوى الاقتصادي لمختلف طبقات المجتمع، فإذا كان التلفاز السلكي وسيلة الطبقة الفقيرة والمتوسطة للعولمة، فإن الإنترنت وسيلة العولمة للطبقة الغنية، وكذلك البثّ الفضائي.

وللعولمة مستلزمات في تحديد مجالات التحليل في اللغويات وتحليل الخطاب. فالمجال الطبيعي للتحليل هو أن ينظر إلى المجتمع اللغوي بأنه يوازي الكيان القومي، وإذا انتبهنا إلى الممارسات الشائعة في مجتمع لغوي معين وجدنا أنها لا تنسب كليا إلى المجتمع اللغوي نفسه. ويبدأ مشروع التحليل، من ثم بالنظر في إشكالات مجال التحليل، وقد يترتب على ذلك نتائج تنظيمية مؤسسية في إبراز إشكالات الحدود الفاصلة بين الأقسام التخصصية والتخصصات، وإمكان التكامل بينها، والمنهج المناسب للدراسة والتحليل في حالة التكامل بينها.

يمتد مجال البحث أيضًا إلى التأثيرات الاجتماعية والتبعات السياسية للعولمة الثقافية واللغوية. فطغيان الملامح الغربية الأمريكية على العولمة، أو بالأحرى انطلاقها من التوسع الاقتصادي الأمريكي، والاستعمار البريطاني، والسيادة السياسية الغربية بشكل عام يجعل المرء يراها نوعًا من الاستعمار الثقافي. وسيترتب على عولمة الثقافة والقيم تجاهل التنوعات الطبعية الموجودة فيهما، وطمس هوية المجتمعات، والثقافات المحلية، والإقليمية، أو إعادة تشكيلها لتعكس الهوية الثقافية الغربية، والشخصية الأمريكية الإنجليزية.

نخص بالذكر من مصادر تأثير العولمة"الحديثة"على اللغة العربية اللغتين الإنجليزية والفرنسية، وقد كان تأثيرهما مباشرًا بسبب الظروف التاريخية التي مرت بها اللغة العربية. أما أوجه تأثير العولمة على اللغة العربية فهي سلبية في أغلبها، على الرغم من إيجابية بعضها أو إمكان استغلالها في تحقيق عولمة اللغة العربية ذاتها. لقد تأثرت اللغة العربية في المصطلحات الحاملة لمفاهيم ثقافية، وفكرية، والمفردات العامة المستجدة، والصيغ الصرفية المعدلة، نتيجة للتطور اللغوي، واحتكاك متحدثي اللغة العربية بغيرهم في التحاور الحضاري. وتأثر التراكيب النحوية العربية بالعولمة فوجدت نماذج من التراكيب غير الأصلية أو الهجينة، واستحدثت تعبيرات اصطلاحية تعكس ممارسات ثقافية وتعبيرات لغوية غريبة، وظهرت أساليب لغوية وبيانية جديدة غير معهودة في اللغة العربية. ومن أمثلة العبارات المحدثة:"الغرفة التجارية"لجماعة التجار والمكان المعد لاجتماعهم، و"الخطوط الجوية"لشركات الطيران وطرق الطائرات في الجو،"ويوم الاستقبال"ليوم تخصصه الأسرة لاستقبال الزوار، و"التغذية الراجعة أو المرتدة"، للانفعالات الناجمة عن أفعال وتأثيرات معينة وغيرها من العبارات [1] .

(1) - انظر: شاهين، عبدالصبور، العربية لغة العلوم والتقنية، دار الاعتصام، القاهرة، ط 2، 1986، ص 362 - 363.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت