من طرائف التصحيف
في الجزء الأوّل من كتاب
"الزهرة"
لمحمد بن داود الأصفهاني
الدكتور محمد خير البقاعي
يعدّ كتاب (الزهرة) لمحمد بن داود الأصفهاني المتوفى (296 هـ) أو (297 هـ) من أوّل الكتب التي عرضت لمعالجة موضوع الحب، وقد ذاع صيته وطار خبره لِمَا جمع مؤلفه فيه من آداب وأتى فيه من نوادر، فأنت تجد فيه مختارات من الشعر الرصين النادر الذي يعبّر عن الأحوال التي سيق للدلالة عليها. لقد طبع هذا الكتاب على مراحل أولاها العمل الذي قام به الأستاذ (نيكل) بمساعدة الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان فنشرا معًا النصف الأول من كتاب الزهرة في عام (1932) وفي سلسلة منشورات الجامعة الأميركية في بيروت وذلك عن مخطوطة دار الكتب المصرية ذات الرقم (7246) .
ثمّ قام الأستاذان الدكتوران نوري حمودي القيسي وإبراهيم السامرائي رحمهما الله بإصدار النصف الثاني من الكتاب عام (1975) في سلسلة مطبوعات وزارة الثقافة والإعلام العراقية وذلك عن مخطوطتي المتحف العراقي ومكتبة تورينو الإيطالية.
ثمّ قام الدكتور إبراهيم السامرائي فأخرج الكتاب كاملًا عام ... (1406 هـ 1985 م) وصدر عن مكتبة المنار الأردن - الزرقاء.
ونجده يقول في الصفحة (21) من المقدمة: وقد وقفت على النصف الأول المطبوع الذي نشره نيكل وطوقان فبدا لي أنّ عمل الناشرين معوز، وأنّ فيه من الأوهام الكثيرة ما يحفزني على إعادة نشره ... إنّ الأوهام التي حفل بها هذا النصف الأول من الكتاب تتصل بمسائل عدة منها أنّ الأعلام قد عرض لها من التصحيف والخطأ الشيء الكثير.
ومن الأوهام ما يتصل برواية الشعر فقد حفل الكتاب بمختارات كثيرة وقد عرض التصحيف والخطأ لكثير من الشعر، وفيه ما اشتهر في روايته، وليس من عذر في ارتكاب الخطأ فيه ... وكنت قد جمعت هذه الأوهام وضمنتها مقالة نشرت في مجلة معهد المخطوطات (الجزء الثاني من المجلد الثامن والعشرين) .
أما بخصوص النصف الثاني فيقول الدكتور السامرائي في مقدمة نشرته (2/ 495) : هذه نشرة جديدة للجزء الثاني من كتاب (الزهرة) راجعت فيها النشرة الأولى فصححتها وبرّأتها ممّا عرض لها من خطأ في الطبع وما أدى إليه سهو المصححين الذين عهدنا إليهم هذه المهمة العسيرة وما فاتنا نحن المحققين ممّا يجب ألاّ نقع فيه. ثم أنّي ضبطتها بالشكل وزدت في تعليقاتها لتكون أوفى بالغرض الذي ابتغيناه في نشرتنا الأولى ...
ولكنّ مراجع الكتاب يجد أنّ طبعة الدكتور السامرائي ليست أحسن حالًا من طبعة (نيكل وطوقان) في النصف الأول، لأنّ تقويم كتاب صدر في عام (1932) يختلف عن تقويم الكتاب نفسه عندما يصدر عام (1985) وقد طبعت كثير من الكتب ودواوين الشعر التي تساعد المحققين في عملهم. ولا أقول هذا دفعًا بالصدر وإنَّما أقوله بعد مقارنة بين المطبوعتين وتتبع دقيق وخاصة للنصف الأول وكان ثمرة هذا التتبع مقالة طويلة تقع في مئة وخمسين صفحة تقريبًا، وفيها من التعليقات الطريفة الشيء الكثير، وأرجو أن تجد طريقها للنشر قريبًا.
وأودّ أن أقف في هذه العجالة عند بعض مواضع التصحيف التي فيها شيء من الطرافة، وإنْ دلّت على شيء فإنما تدلّ على أنّ الوهم يظلّ أساس العمل في الكتب التراثية حتى يبرز ما ينفيه قطعًا، لترامي أطراف تراث هذه الأمة الذي ينبغي أن نكون له خدمًا ليبوح لنا بأسراره، وحينئذ نصير قادرين على تجاوزه.
جاء في الصفحة (47) من النصف الأول (ط. الدكتور السامرائي) :
وقال يزيد بن سويد الضبعي:
بيضٌ أوانسُ يَلْتَاطُ العبيرُ بها ... كفَّ الفواحشَ عنها الأنسُ والخَفَرُ
مِيْلُ السوالفِ غيدٌ لا يزالُ لها ... من القلوبِ إذا لاقَيْنَها جَزَرُ
قال المحقق في الحاشية (8) : لم أهتد إلى ترجمته، ولم أجده بين المسمّين (يزيد) من الشعراء.
وجاء في الصفحة (185) من النصف نفسه:
وأنشدنا أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي ليزيد الغواني العجلي:
سَرَتْ عرضَ ذي قارٍ إلينا وبطْنَه ... أحاديثُ للواشي بهنّ دبيبُ
أحاديثُ سدّاها شبيبٌ ونارَها ... وإنْ كانَ لم يَسْمَعْ بهن شبيبُ
وقد يَكْذِبُ الواشي فيُسْمَعُ قولُه ... ويَصْدُقُ بعضُ القولِ وهو كذوبُ
قال المحقق في الحاشية (12) : لم أهتد إلى (يزيد) هذا.
وأقول: هذا مكان من التصحيف سبق إلى الوقوع فيه المرحوم عبد السلام هارون في موضعين من كتبه التي أخرجها، أولهما: في كتاب (ألقاب الشعراء ومن يعرف منهم بأمه) لأبي جعفر محمد بن حبيب وهو منشور في (نوادر المخطوطات) (2/ 297 - 328) والكتاب منشور عام (1393 هـ - 1973) .
جاء في الصفحة (315) تحت عنوان (ألقاب شعراء ربيعة بن نزار) :
ومنهم (يزيد الغواني) وهو يزيد بن سويد بن حطّان، أخو بني ضبيعة بن ربيعة، وهو القائل:
لا تدعونّي بَعْدَها إنْ دَعَوْتَني ... يزيدَ الغواني وادْعني للفوارس
قال المحقق في الحاشية رقم (3) : انظر أمالي الزجاجي 133، وأقول: هو بهذه الرواية طويل مخروم في صدره وتصحف (بُرَيْد) إلى (يزيد) وصواب انشاده (بُرَيْد الغواني ... ) .
وإذا عدنا إلى أمالي الزجاجي في الصفحة التي أشار إليها وجدنا موضع الوهم الثاني، فقد جاء في أمالي الزجاجي (ط. بيروت، دار الجيل، ... 1407 هـ - 1987) (ص 133 - 134) : ... أنشدنا أبو موسى الحامض، قال: أنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى عن أبن الأعرابي، ليزيد الغواني:
سَرَتْ عرضَ ذي قارٍ إلينا وبطْنَه ... أحاديثُ للواشي بهنّ دبيبُ
أحاديثُ سدّاها شبيبٌ ونارَها ... وإنْ كانَ لم يَسْمَعْ بهن شبيبُ
وقد يَكْذِبُ الواشي فيُسْمَعُ قولُه ... ويَصْدُقُ بعضُ القولِ وهو كذوبُ
وأحال في الحاشية رقم (3) إلى نوادر المخطوطات ونقل ما جاء فيها.
والحقّ أنّ الأمكنة المذكورة تصحيفًا يدلّ عليه ما أورده الآمدي في المؤتلف والمختلف (ط. مكتبة القدسي - القاهرة، 1354 هـ) ص (198) :
(باب الياء في أوائل الأسماء) :
(من يقال له يزيد وبريد) ... قال:(وأمّا بريد بالباء معجمة بواحدة من أسفل ... ومنهم بريد الغواني بن سويد بن حطّان أحد بني بهثة بن حرب بن وهب بن جلّي بن أحمس بن ضبيعة بن ربيعة بن نزار شاعر فصيح وهو القائل:
لا تدعونّي إنْ تكن لي داعيا ... بُرَيْد الغواني فادعني للفوارس
وله في كتاب بني ضبيعة أشعار حسان جياد).
وقد وجدت الآمدي في مقدمة المؤتلف (ص 8) يقول:
( ... وأدخلت الذي ليس بمشهور عليه مثل"النعيت"بالنون أدخلته في باب"البعيث"ومثل"بُرَيْد"بالباء مضمومة أدخلته مع"يزيد"في باب الياء ... ) .
وجاء في تاج العروس (7/ 429) (ط. الكويت) (برد) :
( ... وبريد بن سويد بن حطّان، شاعر، يقال له بريد الغواني ... )
أمّا نسبته إلى بني عجل (العجلي) فأظنّها تصحيف (الجلّيّ) وهو اسم جدّه. انظر: جمهرة أنساب العرب لابن حزم 292 - 293.
وقد تصحف بُرَيْد إلى (يزيد) في الحماسة البصرية 2/ 195 (وفيه القطعة(260) : (وقال يزيد الغواني العجلي وهو ابن سويد بن حطّان من بني بهثة ...
وأنشد بيتين من الأبيات الثلاثة:
سَرَتْ عرضَ ذي قارٍ إلينا فصدّقت ... أحاديثُ للواشي بهنّ دبيبُ
أحاديثُ سدّاها شبيبٌ ونارَها ... وإنْ كانَ لم يَسْمَعْ بهن شبيبُ
والصواب أن الشاعر هو (بريد الغواني) الجلّي وهو ابن سويد بن حطّان من بني بهثة) والله أعلم. وبذلك يكون صواب ما جاء في نصّ الزهرة هو (بُرَيْد) وليس (يزيد) والأبيات التي جاءت في ص (185) من النصف الأول هي الأبيات التي أنشدها الزجاجي في أماليه. أما بيتا الصفحة (47) من النصف الأول فلم أجدهما في مصدر آخر. وبانتظار أن تبوح لنا كتب التراث بمزيد من الأخبار عن هذا الشاعر الذي وصفه الآمدي فقال: إنه شاعر فصيح وله أشعار حسان جياد، بانتظار ذلك، تبقى المتابعة هي السبيل لتجنب مثل هذه التصحيفات.
وجاء في 171 - 172:
وقال ابن عبدوس لنفسه:
قد أتيناكَ وإنْ كنـ ... ـــــــتَ بنا غيرَ حقيقِِ
وتوخيْنَاك بالبـ ... ــــــرّ على بُعْدِ الطريقِِ
كلّما جئْنَاكَ قالوا ... نائمٌ غيرُ مفيقِِ
لا أنامَ الله عَيْنَيْـ ... ــــــكَ وإنْ كنتَ صديقي
لم يعلّق المحقق على الأبيات بشيء وصحّف اسم الشاعر أو تركه مصحفًا ولو حاول تخريج الأبيات لوجدها منسوبة في أمالي الزجاجي: 120 لأبي عروس.
قال محقق الأمالي الأستاذ المرحوم عبدالسلام هارون في الحاشية:
(لم أعثر له على ترجمة، لكن في طبقات الشعر لابن المعتز 419 ومعجم المرزباني 389 من يدعى محمد بن عروس، وفي فوات الوفيات 2/ 194 ومعجم المرزباني 390 من يُدْعَى محمد بن محمد بن عروس) .
قلت: وأبو عروس في أمالي الزجاجي تصحيف ابن عروس وقد نسبت له الأبيات في ربيع الأبرار 3/ 99 وسماه الزمخشري ابن عروس الكاتب.
وقال محقق الكتاب في الحاشية: (إن المرزباني في معجم الشعراء والثالث والرابع من الأبيات في محاضرات الأدباء 1/ 102 بلا نسبة) .
وهما محمدان في معجم المرزباني 389 - 390، قال المرزباني:
(محمد بن عروس الكاتب الشيرازي) وأنشد له أبياتًا في عتاب عبدالله بن محمد بن يزداد رواها أبو طالب الكاتب ...
و (محمد بن محمد بن عروس أبو علي الكاتب) ، وأنشد له أبياتًا في عتاب أبي أحمد عبيدالله بن عبدالله بن طاهر والشعر لأحدهما ولعل صواب النص (وأنشد ابن عروس لنفسه) ...
وجاء في ص 306 وقال الجويرية:
يصحّحُ أوصابي على النأي والهوى ... مُهيجَ الصَّبا من نحوها حين تَنْفَحُ
وما اعْتَرَضَتْ للرّكبِ أدماءُ حرّةٌ ... من العِيْن إلاّ ظلّتِ العينُ تَسْفَحُ
وعاتبةٍ عندي لها قلت أَقْصري ... فغيرُك خيرٌ منكِ قولًا وأنصحُ
قال المحقق: (الجويرية بنت الحارث إحدى أزواج النبي"ص"، انظر طبقات ابن سعد 8/ 83، والإصابة 1/ 265، وصفة الصفوة 2/ 26) ، وهذا عجيب، لأنّ في نصّ الزهرة سقطًا، ولو كان المؤلف يعني الجويرية لقال: (قالت) ولكنّه لمّا قال (قال) عرفنا أنه يعني شاعرًا. والصواب أَنْ يقال: إنّ الشاعر هو أبو الجويرية العبدي، ويكون صواب نص الزهرة: (( وقال(أبو) الجويرية ... ))هو شاعر أموي الشعر اسمه عيسى بن أوس بن عُصَيَّة أحد بني عامر بن معاوية يتصل نسبه بربيعة بن نزار. قال المرزباني فيه: (شاعر متمكن ومحسن) .
وقد فرغ من ترجمته أستاذنا الدكتور محمد رضوان الداية في حاشية الحماسة المغربية 1/ 307 ورجّح أَنْ تكون وفاته تأخرت إلى أواخر العقد الثاني وربما تجاوزته إلى العقد الثالث.
انظر مصادر ترجمته في حاشية الحماسة المغربية 1/ 307، وفي تاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين (الترجمة العربية) مج 2، مج 3، ص 43 - 43. أما الأبيات فأظنّها والأبيات التي أنشدها صاحب الحماسة البصرية 1/ 33 (40) من قصيدة واحدة، وانظر حماسة الخالدين 2/ 35، وفيها تخريج.
وجاء في الجزء الأول الصفحة 424: وقال أحمد بن أبي قين:
ولمّا أَبَتْ عيناي أَنْ تسترا الهوى ... وأَنْ تَقِفا فيضَ الدموعِ السواكبِ
تثاءبْتُ كيلا ينكرَ الدمعَ منكرٌ ... ولكنْ قَليلٌ ما بقاءُ التثاؤبِ
أَعَرَّضْتُماني للندى ونَمَمْتُما ... عليَّ لبئسَ الصاحبان لصاحب
قال المحقق: (لم أهتد إلى ترجمته) والصواب أَنّه لا وجود لشاعر بهذا الاسم لأنّه مصحف، والصواب (أحمد بن أبي فنن) وهو شاعر مشهور عباسي الشعر جمع شعره ونشره في كتاب (شعراء عباسيون) 1/ 101 - 184 الدكتور يونس السامرائي، والأبيات في 1/ 143 من الكتاب المذكور برقم (8) ، وانظر أمالي القالي 1/ 70 وفي شعره المجموع تخريجات أخرى.
ووجدت مثل هذا التصحيف في اسم الشاعر في كتاب (أبو تمام وأبو الطيب في أدب المغاربة) للدكتور محمد بن شريفة، ص 247، 269 فليصحّح في الموضعين.
هذه بعض المواضع من التصحيف الطريف في كتاب (الزهرة) الذي ما زال يموج بأخطاء التصحيف والتحريف والأخطاء المطبعية، ونرجو أَنْ يجود علينا المهتمون بطبعة جديدة بعد أن حُقِّقت كثير من الكتب الأدبية وكتب المختارات التي تساعد المحققين في عملهم ...
والله من وراء القصد.