الصفحة 83 من 118

في نشر اللغة لإنجليزية، وخدمة غيرها من اللغات الغربية. بل أصبح لزامًا لمن يرغب في الإفادة التامة بهذه الوسيلة المهمة إجادة اللغة الإنجليزية، ومن ثم يكون من الأيسر تأثره بالممارسات التعبيرية الإنجليزية، والنمط الخطابي الإنجليزي على الإنترنت، ونقل هذه الممارسات، والأنماط، والانشغال بها، والبحث عن مقابل لها في لغته، وثقافته. وذلك ما يحدث للغة العربية.

من ذلك محاولات نشر اللغة الإنجليزية في البلاد الإسلامية، وإقصاء اللغة العربية. وتؤدي العولمة اللغوية، أو بالأحرى،"الجلنرة"إلى قطع المسلمين غير العرب عن تراثهم وتاريخهم المسجل باللغة العربية في أغلبه، وإلى قطع الروابط الثقافية بين الشعوب الإسلامية التي كانت تستعمل اللغة العربية لغة علم وفكر وبين الأمة العربية، ويفضي ذلك على المدى البعيد إلى طمس الهوية الإسلامية لهذه الشعوب.

للعولمة مخاطر على الهوية اللغوية الثقافية العربية. فإذا علمنا أن النمط الثقافي المسيطر في العولمة هوا لنمط الغربي الأمريكي، فإن ذلك يستلزم تهميش غيره من الأنماط الثقافية. وقد لوحظ أن أسوأ أمر في العولمة هو أن يكون كل شيء متشابهًا في العالم كله. وبالنسبة للغة العربية تؤدي أحادية الأنماط والممارسات التعبيرية، والخطابية إلى قطع العرب والمسلمين عن تراثهم على المدى البعيد لتحول الاهتمام العالمي والمحلي عنه، وقلة قرائيّته خارج الدول العربية. ومن البديهي أن الغربيين لا يخدمون أي تراث غير تراثهم إلى مستوى يؤهله ليكون مكوّنًا أساسيًا من العولمة الثقافية واللغوية. لقد أصبحت القوى العالمية التي تشكل الأذواق الثقافية والأفكار المعرفية التي تحكم الأغلبية الكبيرة خارج الحدود السياسية لهذه القوى واستطاعت أن تقنع أغلب الناس في كل مكان بأن سيطرتها طبعية وعادية.

من الآثار السلبية للعولمة إضعاف اللغة العربية بتشجيع اللهجات العامية الإقليمية لكي يبقى باب الثقافة العربية مفتوحًا للغارة العالمية المتمثلة في الثقافة الأمريكية الشائعة عبر الأقمار الصناعية، والإنترنت، وغيرهما. ومخاطر العولمة في هذا الجانب أكبر من تأثير استعمال اللهجات العامية، أو الضعف اللغوي، على الرغم مما بينهما من صلة. فبالإضافة إلى إحلال الأزياء الأمريكية والإنجليزية محل الأزياء العربية، فإن المواد الغذائية تحمل أسماء إنجليزية، كما تكتب اللافتات والإعلانات التجارية بالإنجليزية، دون العربية، أو بالجمع بينهما. ويفتح الطفل العربي عينيه على كتابات بالإنجليزية على ملابسه وملابس أفراد أسرته وأحذيتهم، وعلى اللعب والهدايا، وعلى كل شيء من حوله. وقبل أن يعرف شيئًا من لغته، تدخل اللغة الإنجليزية مدرسته منذ الصف الرابع الابتدائي لتصبح مشكلته الأزلية، وتحظى بجل اهتمام والديه من أجل أن يحرز معدلًا رفيعًا في الشهادة الابتدائية على أمل أن يتأهل للتسجيل للقسم العلمي في المرحلة الثانوية [1] .

تعد"العولمة"غزوًا فكريًا ثقافيًا لغويًا لما تقتضيه من انصهار الأمم والشعوب الضعيفة بقيمها الثقافية، وممارساتها اللغوية في الأنماط الغربية الأمريكية الأحادية المتعاظمة. ويتجلى الغزو اللغوي في شيوع القيم، والممارسات الغربية بمصطلحاتها الأصلية، ومفاهيمها الأمريكية

(1) - انظر عبدالرحمن، المصدر السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت