قد يكون من الممكن بعد عرض عناية الفارابي بتكون اللسان كأداة منظمة للتبليغ فحص تحليله في ميدان اللسان الخاص أو ما يصطلح عليه بلغات العلوم انطلاقا من مسلمة تعبر عن اختصاص كل صناعة بقاموس لفظي تقني تقوم الألفاظ فيه بدور الدوال المحيلة على مدلولات معينة؛ يقول في كتابه الألفاظ:"... وينبغي أن نعلم أن أصناف الألفاظ التي تشتمل عليها صناعة النحو قد يوجد منها ما يستعمله الجمهور على معنى ويستعمل أصحاب العلوم ذلك اللفظ بعينه على معنى آخر وصناعة النحو تنظر في أصناف الألفاظ بحسب دلالاتها المشهورة عند الجمهور لا بحسب دلالاتها عند أصحاب العلوم، ولذلك إنما يعرف أصحاب النحو من دلالات هذه الألفاظ دلالاتها بحسب ما عند الجمهور لا بحسب ما عند أهل العلوم". وقريب منه في الحروف قوله:"... ومما ينبغي أن تعلمه أن لفظا على شكل ما و بنية ما يكون دالا بنفسه على شيئ ما بمعنى أو على معنى بحال ما، ثم يجعل ذلك اللفظ بعينه دالا على معنى آخر مجرد عن تلك الحال فتكون بنيته بنية مشتق يدل في شيئ ما على ما تدل عليه سائر المشتقات و يستعمل بتلك البنية بعينها في الدلالة على معنى آخر مجرد عن كل ما تدل عليه سائر المشتقات" (38) . وهذا يقود حتما إلى الإقرار بأن الألفاظ المستعملة في العلوم يمكنها أن تكون ذات معان ليست من معاني اللغة اليومية المتداولة، وهذا ما دفع بالعلوم عبر التاريخ إلى أن تتخذ لها معاجم خاصة تكون ألفاظها مداخل للمفاهيم.
ويواجهنا الفارابي في عملية إعداد القاموس التقني بقاعدة جوهرية إذا كان متعلقا بمعرفة منقولة من فكر إلى آخر عن طريق التعريب والترجمة، وهي ضرورة الانتباه لمعقولية اللفظ في علاقته بالمعنى ذلك أن الألسن تقطع العالم كحقائق