الصفحة 8 من 27

لقد قارب الفارابي مسألة من أهم المسائل التي أثارها الفكر الإسلامي وهي التسمية وطبيعة علاقة الاسم بمسماه، وقد امتد النقاش في هذه القضية إلى حقول معرفية أخرى (18) ، وأخذت المسألة بعدا غيبيا. وسيسمح هذا النقاش بفحص كل التصورات المنهجية التي تقف كمعادل موضوعي لعلاقة المصطلح بالوظيفة النفعية للسان في حياة الجماعات، وتكشف عن الاجتهاد العربي في مجال تقنين المصطلحات العلمية المتخصصة وكذا الاستنجاد ببعض الأسس المنهجية في وضع المصطلحية وضبطها وفق سنن التطور اللساني وخصائص العربية وحاجة المجتمع بعامة والفئات المتخصصة. لقد وضع الفارابي على حد تعبير ماسنيون القواعد الأساسية للمصطلح الفني أما قبله فقد أخذوا طرقا أخرى مختلفة (19) .

ينطلق الفارابي من مبدإمهم في تفسيره لظاهرة تكوين اللسان هو مبدأ الخفة بقوله: اللسان يتحرك إلى الأسهل: هذا المبدأ لا يؤطر لسانا بعينه بل هو ميزة عامة لكل الألسن وهذا ما يقرّب آراءه من التصورات اللسانية الحديثة في بعدها الشمولي. ولعل تصوره للنسق اللساني الفنولوجي دليل على ذلك يقول:"ولأن هذه إذا جعلوها علامات أولا كانت محددة العدد لم تف بالدلالة على جميع ما يتفق أن يكون في ضمائرهم، فيضطرون إلى تركيب بعضها إلى بعض بموالاة حرف حرفا، فتحصل في ألفاظ من حرفين أو حروف فيستعملونها علامات أيضا لأشياء أخرى" (20) والمقصود أنه انطلاقا من عدد محدود من الفونيمات يمكن التأليف بينها لإنتاج عدد كبير من الألفاظ الدالة على معاني الأشياء والحروف المقصودة هنا هي الحروف المعجمة لا الحروف المهملة، وهي التي عناها ابن دريد في كتابه الجمهرة:"فأول ما يحتاج إليه الناظر في هذا الكتاب ليحيط"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت