بعلمه بمبلغ عدد أبنيتهم المستعملة و المهملة أن يعرف الحروف المعجمة التي هي قطب الكلام بمخارجها ومدارجها وتباعدها وتقاربها، ومايأتلف منها وما لا يأتلف وعلة امتناع ما امتنع من الآئتلاف وإمكان ما أمكن (21) .
إن عناية الفارابي بالحروف المعجمة تتنزل في سياق وصفه لعناصر تكون اللسان المتمثلة في الوحدات المعجمية الدالة بالوضع والألفاظ الدالة على وجه خاص في المنطق. يقول: فينشأ من نشأ فيهم على اعتيادهم النطق بحروفهم وألفاظهم الكائنة منها وأقاويلهم المؤلفة من ألفاظهم من حيث لا يتعدون اعتيادهم ومن غير أن ينطق عن شيئ إلا مما تعودوا استعمالها، ويمكن ذلك اعتيادهم لها في أنفسهم وعلى ألسنتهم حتى لا يعرفوا غيرها وحتى تحفو ألسنتهم عن كل لفظ سواها وعن كل تشكيل لتلك الألفاظ غير التشكيل الذي تمكن فيهم وعن كل ترتيب للأقاويل سوى ما اعتادوها (22) .
إن تتبعنا لمجمل تصورات الفارابي اللسانية يفضي إلى الاعتراف بأن تفكيره ليس وصفا لأصل مفترض في اللسان ولا رغبة في إعادة تكوين فرضية لبداية تشكله، ولكن سعيا إلى تحليل اللسان بوصفه منظومة عناصر وظيفية مهمته نقل المعرفة وإقامة الاتصال، وربما نزعم قائلين إنها مقاربة للسان من الداخل. ذلك أنها تبحث في طبيعته ووظيفته، وهذا ما يجعل التفكير في المسألة منذ البدء موسوما بسمة ذرعية.
وعلى صعيد الوظيفة التداولية للسان يبين الفارابي كيفية شيوع الألفاظ وانتشارها فيقول:"الناس تتفق على ألفاظ محددة فيما بينهم، معروفة معانيها ودلالاتها لهم، وقد يستعمل الواحد تصويتا أو لفظة في الدلالة على شيئ ما عندما يخاطب ذلك فيستعمل السامع ذلك بعينه عندما يخاطب المنشئ غيره"