الصفحة 10 من 27

فيحفظ السامع الأول لتلك اللفظة، ويكون السامع الأول قد احتذى بذلك فيقع به فيكونان قد اصطلحا وتواطئا على تلك اللفظة، فيخاطبان بها غيرهما إلى أن تشيع عند الجماعة، وهكذا تحدث الألفاظ والتصويتات واحدا بعد آخر ممن اتفق من أهل ذلك البلد ... ولا يزال يدبر أمرهم إلى أن توضع الألفاظ لكل ما يحتاجون إليه في أمورهم فتصبح الألفاظ متداولة بينهم" (23) ."

وربما كان هذا فحصا لمراحل نشأة المعارف التي تبدأ في النشوء والتكون عندما تقيم جماعة في مسكن واحد وبلد واحد فيفطر أفرادها بتأثر ظروف المناخ ووسائل العيش على استخدام التصويت فتنشأ اللغة (24) وذلك بأن تستقر الألفاظ على المعاني ثم يعمد المتكلمون إلى النسخ والتجوّز والإستعارة في العبارة فتكثر الألفاظ ويستبدل بعضها ببعض إلى أن تحدث الصناعات الخطبية ثم الشعرية (25) .

ولا يقف الأمر عند هذا الحد إذ يعمد أفراد المؤسسة الاجتماعية إلى حفظ هذه الصناعات المعبر عنها بألفاظ اللسان بوساطة الكتابة ثم يظهر علم اللسان تتويجا لجهود حفظ مفردات اللغة بعد تحقق سماعها من أفواه الناطقين بها، ثم تأتي مرحلة التقعيد للمنظومة النحوية المشكلة للمنوال اللساني الذي يرسخ تدريجيا في أذهان المتعلمين، ويحتاج غالبا في هذا السياق إلى تحديد المصطلحات التي تكون مفاتيح العلم في العملية التعليمية.

أما المعارف العقلية الاستدلالية فتمثل المرحلة الثانية في سلم التطور المعرفي بتعدد أبعاده اللسانية والمنطقية والاجتماعية والنفسية فتتحدد -عنده- برغبة النفوس إلى معرفة أسباب الأمور المحسوسة في الأرض وفيما يحيط بحياة الإنسان و علل هذه الأشياء سالكين مسالك متعددة أولها الطرق الخطبية ثم الجدلية ثم الرياضية إلى أن تتحدد في النهاية معالم العلم المدني أو الفلسفة النظرية. وعلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت