وإن المتأمل في جهود هؤلاء وأضرابهم في عملية تطوير التحرير الصحفي والسمو به يمكن أن يتبين ذلك في جملة من السمات المميزة من أهمها:
1.العناية بالعنصر المنطقي في بنية الخطاب الإعلامي، وفي منهجية عرض أفكاره، وفي طرائق معالجتها، لقد كان الصحفي يعمد في الغالب في بناء عمله إلى تنسيق معانيه وترتيبها وحسن تبويبها، كما يحرص على صياغتها في أسلوب سهل مباشر يساعد على نقلها إلى أهدافها في يسر و وضوح.
2.الحرص على ظاهرة التكامل الوظيفي ما بين اللفظ والمعنى في نظم الخطاب، وإن الكتاب كانوا ينهضون بذلك عمليا، كما كانوا ينصون على ذلك أيضا نظريا، فها هو الإمام ابن باديس يؤكد ذلك بقوله بأن الكلام"لا يكون كريما شريفا إلا إذا كان عنوانا صادقا حسن مظهره ومخبره، وعذب جناه وطاب مغرسه، وما ثماره وما غرسه، إلا القلب الذي صدر منه" [1] .
ويبدو أن ابن باديس بذهابه في هذه القضية هذا المذهب، يقترب في الموضوع من رأي عبد القاهر الجرجاني صاحب (نظرية النظم) الذي يرى أن قيمة الخطاب، إنما تكمن في المعنى الممتاز، و المشاعر الصادقة، و العبارة الجيدة، وعليه فإن الصورة فرع في النص وليست أصلا. إن البلاغة في الأسلوب تنتهي إلى نظم الكلام وفق حاجة المعنى [2] . ويبتعد ابن باديس في هذا الباب من نحو آخر، عما ذهب إليه الجاحظ الذي يقدم اللفظ عن المعنى في عملية تقييم الخطاب، فيرى أن"المعاني مطروحة في الطريق"
(1) . الشهاب ج 4 م 6 (ماي 1930)
(2) . عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز ص: 69 تح محمود محمد شاكر ط 3 القاهرة 1992.