مرددًا كلام الله حصل له المعرفة بربه، فهو يتلو ما وقع من أقدار، وما تكلم به من إخبار عن نفسه وكلماته وشرعه، فبهذا يحصل أعظم العلم والفهم.
وأنا أحدثك عن رجل يحس بمعنى في رمضان لا يجده في غيره، إذ هو في رمضان يحبس نفسه مع القرآن، فيفتح له من المعاني العجيبة كما يقول، وذلك أنه تغيب لديه كل أفعال البشر، فلا يرى إلا يد الله القادرة الحكيمة، ولا يعيش مع الدنيا في شيء، إنما هي الآخرة، وتنجلي أقدار الوجود على إرادة الله فيه دون رؤية أفعال البشر إلا وفق حكم الشرع، وما يحصل له هذا المعنى كما يقول إلا في رمضان حيث يحبس نفسه مع كتاب الله.
وشيء آخر يحسه هاهنا، وهو أنه يحس لنَفَسه شيء آخر، من بركة القول، وأثره على مستمعيه.
وهذا ذو النورين يقول:"لو صفت قلوبنا ما مللنا كتاب الله"، وهو كاشف لهذا المعنى من التقاء القرآن مع صفاء النفس.
وبهذا تعلم قيمة ما كان يفعله السلف من ترديد الآيات في الليلة الواحدة، فلربما ردد أحدهم آية واحدة طيلة الليل، وربما اقتصر بعضهم على بعض آيات، يعمل بها، ويؤولها قارئًا، كما كان من شأن الشافعي، لا يزيد في الليلة عن خمسين آية، فإن زاد فمائة، يقف عند كل آية، يسبح ويحمد ويكبر ويهلل، ويتفكر وينظر، ويدعو، فهذا التكرار الذي يأتي بالمعاني، وبهذا تعلم كيف حصلت علوم السلف، وكيف جاءت منهم الدرر.
{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ}
قال بعض العابدين: إني لأفتتحُ السورةَ، فَيُوقِفُنِي بعضُ ما أشْهَدُ فيها عَنِ الفراغِ منها، حتى يطلعَ الفجرُ.
وهذا معنى آخر من القراءة، غير ما تقدم من كثرة تلاوته والانشغال به.