من مسالك التدبر (4)
[25 فبراير 2018 - 9 جمادى الأخرى 1439]
(إني أحب أن أسمعه من غيري)
هذا حديث شريف، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب من عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن يقرأ القرآن عليه، فقال ابن مسعود: أقرأ عليك وعليك أنزل؟! فقال له صلى الله عليه وسلم: (إني أحب أن أسمعه من غيري) .
وهذا الحديث تطبيق عملي لقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ، والنبي صلى الله عليه وسلم يحب الدخول في كل مقامات التعبد الواردة في القرآن مما حض الله عليه ورغب فيه، وهذا المقام المذكور في الآية هو مقام استماع القرآن والإنصات له.
والناس لهم طرق في الفهم لما يقال، فبعضهم تقوم نفسه لما يقرأ، ويفهم أكثر في هذا الحال من الاستماع، وبعضهم تصلح نفسه وعقله للفهم إذا تلي وقرئ عليه، ولا شك أن الأغلب يفهون لما يستمعون، لعدم الانشغال إلا لعمل الأذن الموصلة للعقل وفعل التدبر، بخلاف القراءة فالنفس تنشغل بكثير من الأمور قبل نفاذ المراد للعقل والفهم، ولذلك فإن الإنسان يبدأ فهمه أولًا لما يقال ويسمع، وهذا أليق بفطرة الإنسان، ثم يكون الفهم لما يقرأ بعد رحلة تعلم وتدريب.
وفي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وصل ابن أم عبد رضي الله عنه إلى قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَاؤُلَاءِ شَهِيدًا} ، ومما لا شك فيه أن هذه الآية فيها من فضل المقام الذي جعله لرسوله صلى الله عليه وسلم ما يجعل القلب يتأثر به، ويكون البكاء بكاء الحب لربه، والشكر والحمد له،