ومقامات أخرى هي خاصة لنفس أعظم العابدين محمد صلى الله عليه وسلم مما لا يحيط به الكلام، ومنها ما يقف المرء على بابها خجلًا أن يتكلمها أحد عنه.
ولو سأل سائل: ما هو باعث الحب لسماع القرآن من قبل الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم؟؟
فالجواب:
-لذة السماع لما يحب المرء من الكلام، وهذا بين في النفس، فإنّ النفس إذا أحبت أمرًا تاقت لسماعه أو السماع عنه، تهيج بهذا السماع شوقًا له، وتقربًا منه، وتزداد حبًا له، والله عز وجل وصف إحدى لذائذ الجنة بقوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} فسرها بعض أهل العلم بالتفسير: أي يستلذون بالسماع، والسماع إحدى طرق اللذة، ولكن اللذة لأمر يحبه، والنبي صلى الله عليه وسلم يحب ربه، ويحب كلامه، فهو يحب أن يسمع عنه، فكيف إذا كان المخبر عن المحبوب هو المحبوب نفسه وبكلامه!
-ومقام آخر في بيان سبب حب النبي في سماعه القرآن من غيره، وهو رؤية الفضل الإلهي على النفس، فهذا كتاب ربنا الذي أمر الله نبيه ببلاغه، وشوق النبي صلى الله عليه وسلم لهداية الخلق معلوم، فقد قام ابتداءً مقام التذكير والإبلاغ له، وهاهنا قد حصل الفضل باستجابة الخلق له، فهو يسمع سماع الأستاذ العظيم للتلميذ النجيب، يفرح أن يرى في الخلق من يقوم مقامه في التبليغ والأداء، ويفرح أن استجاب له الخلق، فهذا كتاب لن يذهب بذهاب مبلغه الأول، بل يبقى لحمل أعظم الخلق بعد الأنبياء له، وهذا هو ابن مسعود، رجل القرآن، وصاحب الأخذ الشديد له، وقد أخذه غضًا طريًا، وهو مبلغ له على غضًا طريًا كما ورد هذا في الحديث عند أحمد والحاكم، وهذا المعنى لا يعادل المعنى الأول من نظره لنفسه مستمعًا للقرآن الذي أنزل إليه قبل أن يسمعه بقية الخلق {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} .