-ومعنى آخر لا يتحدث المرء به إلا تعظيمًا للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهو أحق وأعظم أحواله، وهو مقام العبودية، والذي يلزم منه أن يسمعه على أي وجه فيطيع، فهو آخذ له من جبريل، ثم هو آخذ له من بعض تلاميذه وصحبه، وهذا الصاحب تابع لهديه، مسترشد لمقاله، ومع ذلك يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ هذا الكلام الرباني على أي وجه، فيسمع له ويطيع، وقد حصل القدر بأن يقرأ ابن أم عبد آيات فيها ما ختم من ذكر مقامه عند الله تعالى، وأنا والله أعجب بأي قلب عظيم يسمع الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم آيات ذكر مقامه وعظمته عند الله تعالى.
يقول الله تعالى له: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}
ويقول الله له: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ} .
وآيات كثيرة فيها ذكر التعظيم له، فيعجب المرء من هذا القلب العظيم كيف يحصل له من معاني التعبد والقرب حين سماعها.
ومقام العبودية يوجب أن يسمع المرء كلام الله على أي جهة جاءته، ومن أي جهة بلغته، ولذلك أراد النبي صلى الله عليه وسلم تمثل هذه العبودية بسماعه القرآن من ابن أم عبد رضي الله عنه.
ومن الأمور المعينة لهذا المسلك من التدبر أن يسمعه المرء من أقوام تخشع قلوبهم عند قراءته، يقرؤونه على وجه الحزن والتدبر والخوف والعظة، فمع الكلام يكون الحال الذي يعرفه المرء بقلبه كما يشارك فيه سمعه، وهذا المعنى يعرفه الناس بقلوبهم، كما يميزون حسن الصوت بآذانهم.